Site icon جريدة صفرو بريس

التعليم الأولي.. ملف اجتماعي شائك أمام حكومة المنصوري

تعود قضية أطر التعليم الأولي إلى الواجهة من جديد، بعدما عرفت الاحتجاجات التي خاضها عدد من المربيات والمربين تدخلات أمنية لفض بعض الأشكال الاحتجاجية، من بينها الاحتجاج والمبيت الليلي، في وقت يطالب فيه الآلاف من العاملين في هذا القطاع بتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية، ورفع الأجور، ووضع حد لسنوات من عدم الاستقرار المهني.

ويبدو أن ملف التعليم الأولي لم يعد مجرد مطلب فئوي مرتبط بالأجور أو ظروف العمل، بل أصبح قضية اجتماعية وتربوية تستدعي نقاشا هادئا ومسؤولا بين مختلف الأطراف، خصوصا أن القطاع يرتبط بشكل مباشر بالمرحلة الأولى من المسار التعليمي للأطفال، وبالدور الذي تضطلع به المربيات والمربون في بناء شخصياتهم واكتسابهم المهارات الأولى التي سترافقهم في المراحل اللاحقة من الدراسة.

ومن أبرز الإشكالات التي تثيرها الأطر المحتجة طبيعة العقود وظروف الاشتغال، في ظل اعتماد القطاع بشكل كبير على الجمعيات في تدبير مؤسسات التعليم الأولي، وهو ما يطرح، بالنسبة إلى العاملين فيه، سؤالا حول حدود مسؤولية الدولة تجاه فئة تؤدي وظيفة تربوية تدخل في صميم المنظومة التعليمية.

كما يظل مستوى الأجور واحدا من أكثر النقاط إثارة للجدل، إذ إن دخلا في حدود 3000 درهم شهريا أصبح من الصعب أن يواكب متطلبات الحياة اليومية، في ظل ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتكاليف النقل والكراء وباقي المصاريف، الأمر الذي يجعل الاستقرار المهني والاجتماعي للمربي والمربية تحديا حقيقيا.

ولا تقف الإشكالات عند حدود الأجر، بل تمتد إلى مسألة الاستقرار المهني، خاصة في ظل العقود المؤقتة التي تجعل عددا من العاملين في القطاع يعيشون حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم المهني، إضافة إلى تحديد سن 35 سنة كسقف أقصى للولوج إلى بعض فرص العمل، وهو شرط يطرح بدوره علامات استفهام حول مدى منطقيته، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمهنة تحتاج إلى النضج والتجربة والصبر والقدرة على التعامل مع الأطفال.

فكيف يمكن لمربي أو مربية أن يمنحا الطفل الإحساس بالأمان والاستقرار، بينما يشتغلان هما نفسيهما في ظروف مهنية غير مستقرة؟ وكيف يمكن الحديث عن تجويد التعليم الأولي وتطوير مهارات الأطفال، دون التفكير في الوضعية الاجتماعية والمهنية لمن يتولون هذه المهمة يوميا؟

إن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تختزل في الاستجابة لمطلب آني أو تدبير احتجاج هنا أو هناك، وإنما تحتاج إلى رؤية واضحة تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والجمعيات والأطر العاملة في التعليم الأولي، وتحدد المسؤوليات والحقوق والواجبات بشكل أكثر وضوحا، بما يضمن للقطاع الاستقرار والاستمرارية، وللعاملين فيه الحد الأدنى من الكرامة المهنية والاجتماعية.

وفي المقابل، فإن اللجوء إلى الحوار يبقى المدخل الأكثر واقعية لمعالجة هذا الملف، بعيدا عن منطق التصعيد أو الاكتفاء بالتدخلات الأمنية لفض الاحتجاجات. فالجلوس إلى طاولة الحوار، والاستماع إلى مطالب الأطر، ومناقشة الإمكانات المتاحة، ووضع تصور تدريجي لتحسين الأجور والاستقرار المهني، يمكن أن يشكل بداية لمعالجة واحدة من الملفات التي ظلت تؤجل لسنوات.

وبالنظر إلى أهمية التعليم الأولي في المنظومة التعليمية، فإن تحسين وضعية المربين والمربيات لا يمكن اعتباره امتيازا لفئة مهنية بقدر ما هو استثمار مباشر في الطفل وفي المدرسة المغربية. فالمربي الذي يشتغل في ظروف مستقرة ويحظى بالتقدير والحماية الاجتماعية والمهنية يكون أكثر قدرة على أداء دوره التربوي، وهو الدور الذي لا يقل أهمية عن أي مرحلة أخرى من مراحل التعليم.

اليوم، ومع بداية مرحلة جديدة في تدبير الشأن الحكومي، يطرح ملف التعليم الأولي نفسه كأحد الملفات الاجتماعية التي تحتاج إلى مقاربة مختلفة، تقوم على الحوار والإنصات والبحث عن حلول واقعية وقابلة للتنفيذ.

ويبقى السؤال مطروحا: هل سيكون ملف أطر التعليم الأولي من أول الملفات الاجتماعية التي ستختبر قدرة حكومة فاطمة الزهراء المنصوري على فتح حوار جدي مع الفئات المتضررة، أم سيظل هذا القطاع، الذي يرتبط ببداية المسار التعليمي لملايين الأطفال، ينتظر حلا يؤجل من حكومة إلى أخرى؟

Exit mobile version