يعيش المغرب اليوم لحظة فارقة في تاريخه المعاصر، لحظة تعانق فيها الإرادة السياسية بالحكمة الديبلوماسية، بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي الذي يؤكد أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي الحل الوحيد والواقعي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. إنه يوم تاريخي بكل المقاييس، يختزل نصف قرن من الصمود والعمل المتواصل في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، ويجسد انتصارا جديدا للموقف المغربي الذي أثبت على مر السنين ثباته وعدالته وشرعيته.
لقد اختار المغرب منذ البداية طريق الحكمة والعقل، مراهنا على الشرعية الدولية وعلى منطق الحوار، في وقت اختارت فيه أطراف أخرى نهج العناد والتضليل، متشبثة بأوهام الانفصال التي لم تعد تجد من يصغي إليها سوى من لا يزال يعيش في الماضي. قرار مجلس الأمن اليوم جاء ليقطع الشك باليقين، وليكرس رؤية المغرب القائمة على مبدأ السيادة الوطنية واحترام وحدة التراب، باعتبارها الركيزة الأساسية للاستقرار والتنمية في المنطقة المغاربية والإفريقية.
الديبلوماسية المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، اشتغلت بصمت وبحنكة طيلة سنوات، تنسج التحالفات، وتعيد ترتيب العلاقات، وتؤسس لمنطق جديد في إدارة النزاعات الإقليمية قوامه الاحترام المتبادل والتعاون المثمر. وها هي اليوم تحصد ثمرة هذا الجهد الطويل، بتتويج الموقف المغربي باعتراف دولي واسع ومتجدد من القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، التي تعتبر مقترح الحكم الذاتي الجاد والواقعي والوحيد القادر على إنهاء هذا النزاع الذي طال أكثر مما ينبغي.
لكن الانتصار ليس ديبلوماسيا فقط، بل هو انتصار وطني شامل، يعبر عن تلاحم العرش بالشعب، وعن تلك الوحدة التي ظلت على الدوام صمام أمان الأمة المغربية. من طنجة إلى الكويرة، من جبال الأطلس إلى رمال العيون والداخلة، ارتفعت راية الوطن شامخة بفضل إيمان المغاربة بعدالة قضيتهم، وإصرارهم على استكمال وحدتهم الترابية رغم كل المناورات.
إن هذا القرار الأممي لا يمثل نهاية الطريق، بل هو بداية مرحلة جديدة من البناء والتنمية في أقاليمنا الجنوبية، التي أصبحت نموذجا يحتذى في الاستقرار والاستثمار والبنيات التحتية الحديثة. مرحلة عنوانها التنمية المستدامة والمشاركة المواطنة، وتثبيت الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي يترجم إرادة الدولة في توزيع عادل للثروات والفرص.
وإذا كانت بعض الأصوات لا تزال تردد شعارات متجاوزة، فإن الواقع الدولي اليوم يؤكد أن المغرب انتصر بمنطق العصر، لا بمنطق الصراخ. انتصر بالعقل والحنكة، لا بالتهور والمغامرة. انتصر لأنه آمن بعدالة قضيته، وسار في دربها بثبات ووضوح.
هنيئا للمغرب ملكا وحكومة وشعبا بهذا النصر التاريخي الذي يعيد الاعتبار لمسار ديبلوماسي استمر لما يقارب نصف قرن، نصر يكرس مغربية الصحراء ويقطع الطريق على كل محاولات التشويش.
يوم سيُخلّد في الذاكرة الوطنية كعنوان لوحدة الأمة وانتصار إرادة الحق على أوهام الانفصال.
الصحراء مغربية.. وستبقى كذلك إلى الأبد.

