المغرب

وهبي.. حين يتحول النقاش السياسي إلى مواجهة مع المواطنين

مرة أخرى، يضع عبد اللطيف وهبي، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة ووزير العدل، نفسه في قلب الجدل، ليس بسبب مشروع قانون أو ورش إصلاحي، وإنما بسبب الطريقة التي اختار بها مخاطبة منتقديه.

ففي حديثه عن الانتقادات الموجهة إليه بخصوص حضوره وتدبيره للشأن المحلي بتارودانت، وصف وهبي منتقديه بـ”السفهاء”، متحديا إياهم، ومعتبرا أن بعضهم يكتب من المقاهي، بينما هو منشغل بالبحث عن التمويل للمدينة. وهي تصريحات نقلتها وسائل إعلام اليوم الثلاثاء 15 شتنبر 2026.

المشكلة هنا ليست في أن يرد السياسي على منتقديه، ولا في أن يدافع عن حصيلته أو يشرح ما قام به. بل المشكلة في لغة الرد نفسها.

فالسياسي الذي يوجد في موقع المسؤولية لا يخاطب المواطنين بمنطق التحدي والإهانة، ولا يقسم المجتمع إلى من “يعمل” ومن “يجلس في المقاهي”. المواطن الذي يجلس في المقهى، أو في بيته، أو حتى في المسجد، يظل مواطنا له الحق في السؤال والانتقاد وإبداء الرأي، ما دام ذلك يتم في إطار القانون.

والسياسة، في جوهرها، ليست مباراة في رفع الصوت، ولا مسابقة في إطلاق الأوصاف على الخصوم والمنتقدين. السياسة هي القدرة على الاستماع، والرد بالحجة، وتحمل النقد، والاعتراف بأن المسؤول العمومي ليس فوق المساءلة.

وإذا كان وهبي يرى أن هناك أموالا جلبها إلى تارودانت، أو مشاريع ساهم في تمويلها، فالمطلوب ليس الدخول في سجال مع منتقديه، بل تقديم الحصيلة بالأرقام والوثائق: ما حجم التمويلات؟ ما المشاريع المنجزة؟ ما الذي تغير على أرض الواقع؟ وما الذي لم يتحقق؟

عندها يصبح المواطن قادرا على الحكم بنفسه.

أما القول إن الآخرين كانوا يجلسون في المقاهي بينما المسؤول يعمل ويجلب الأموال، فلا يقدم جوابا عن السؤال الأساسي: ماذا تحقق فعلا لتارودانت خلال سنوات المسؤولية؟

وهنا يجب أن يكون النقاش هادئا ودقيقا. فمن حق وهبي أن يدافع عن حصيلته، ومن حق سكان تارودانت أن يسألوا عن هذه الحصيلة، ومن حق الصحافة أن تقارن بين الوعود والنتائج، دون أن يتحول الاختلاف إلى تبادل للنعوت.

والأخطر أن هذه اللغة تأتي من مسؤول يشغل منصب وزير العدل، أي من موقع يفترض أن تكون فيه لغة المؤسسات والحوار واحترام الرأي المخالف حاضرة بقوة. فكيف يمكن إقناع المواطنين بثقافة الحوار، بينما يتحول الرد على الانتقاد إلى مواجهة لفظية مع المنتقدين؟

وليست هذه أول مرة ترتبط فيها ولاية وهبي على رأس وزارة العدل بنقاش حاد مع مهنيي القطاع. فقد رافق مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة جدل واسع بين الوزارة وهيئات المحامين، واستمر النقاش حول استقلالية المهنة وتنظيمها وآليات ممارستها. وفي أبريل وماي 2026، ناقشت لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب المشروع بشكل تفصيلي، مع تسجيل مطالب تتعلق باستقلالية الدفاع والتنظيم الذاتي للمهنة.

كما استمر التوتر خلال صيف 2026، مع تصعيد في الخطاب بين الوزارة وبعض المحامين بشأن المشروع، قبل أن تصادق لجنة العدل بمجلس النواب في يوليوز على النص بالأغلبية.

وهنا أيضا، يمكن أن يختلف الناس حول مضمون الإصلاحات ومواقف الأطراف، لكن المؤكد أن ملف المحاماة ظل واحدا من أكثر الملفات إثارة للنقاش خلال فترة وهبي في وزارة العدل.

لهذا، فإن القضية اليوم ليست عبد اللطيف وهبي وحده، ولا حزب الأصالة والمعاصرة وحده، بل صورة السياسة نفسها.

حين يصبح السياسي عاجزا عن استقبال النقد إلا بالرد القاسي، وحين يصبح المواطن المنتقد خصما يجب تحديه بدل أن يكون صوتا يجب الاستماع إليه، فإن النقاش العام يفقد جزءا من قيمته.

المسؤول لا يحتاج إلى إهانة منتقديه حتى يثبت أنه يعمل، ولا يحتاج إلى وصفهم بالسفهاء حتى يثبت أنه على حق.

الجواب السياسي الحقيقي لا يكون برفع الصوت، وإنما بالحصيلة.

وإذا كانت تارودانت قد استفادت فعلا من مشاريع وتمويلات خلال السنوات الماضية، فلتعرض الأرقام والمشاريع أمام المواطنين. وإذا كان هناك تقصير، فليكن الاعتراف به جزءا من المسؤولية السياسية.

أما تحويل المقاهي إلى تهمة، وجعل الجلوس فيها دليلا على عدم العمل، فهو منطق لا يليق بنقاش سياسي يريد إقناع الناس، لأن المواطن لا يفقد حقه في النقد بمجرد أن يجلس أمام فنجان قهوة.

وفي النهاية، السياسة تحتاج إلى شيء أبسط من كل هذه المعارك: الحكمة، والهدوء، واحترام المواطن، والقدرة على تحمل النقد.

فالمسؤول الذي يطلب من الناس أن يثقوا في حصيلته، عليه أولا أن يثق في قدرة الناس على تقييمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى