يبدو أن المغاربة لم يعودوا يفهمون واقعهم كما يجب، أو ربما أصبحت جيوبهم هي الأخرى ضحية “الإشاعات الفيسبوكية”. فحسب التصريحات الأخيرة لوزير الفلاحة، فإن الحديث عن غلاء الأضاحي لا يعدو أن يكون “نقاشا فيسبوكيا”، وكأن المواطن الذي يتجول بين الأسواق حاملا آلة حاسبة وقلبا يرتجف من الأسعار، مجرد حساب وهمي يدير حملة إلكترونية ضد الخرفان.
الوزير أكد أنه زار الأسواق بنفسه، ووجد أضاحي تبدأ من 1000 درهم إلى 5000 درهم، وكأن وجود خروف بألف درهم كافٍ لإقناع المغاربة بأن الأزمة مجرد سوء فهم جماعي، أو ربما “مؤامرة رقمية” تقودها الصفحات الساخرة ورواد التعليقات.
لكن السؤال الذي لم يجب عنه أحد هو: كم عدد تلك الأضاحي التي ما تزال تباع بألف درهم؟ وهل هي خرفان أم مجرد ذكريات من سنوات الجفاف السياسي والاقتصادي؟ لأن المواطن حين يدخل السوق اليوم لا يبحث عن “أرخص خروف في المغرب”، بل يبحث عن أضحية تحترم الحد الأدنى من الجودة دون أن يضطر لبيع هاتفه أو الاقتراض أو إعلان حالة تقشف عائلية إلى ما بعد العيد.
الأكثر طرافة في التصريح، هو الجزء المتعلق بالمضاربين. الوزير يقول ببساطة: “أنا هاد المضاربين مكنعرفهومش، ولي كيعرفهم يوريهم لنا”. وكأن المضاربين كائنات أسطورية تظهر فقط في تعليقات المواطنين وتختفي بمجرد وصول المسؤولين. لا أحد يعرفهم، لا أحد يراهم، لكن الجميع يدفع الثمن بسببهم.
الغريب أن الحكومة حين يتعلق الأمر بالمواطن تعرف تفاصيل حياته بدقة؛ تعرف كم يستهلك، وكم يدفع، وكم يربح، بل وتعرف حتى متى يجب أن يصبر ويضحي ويتفهم الظروف الدولية. أما حين يصل الحديث إلى المضاربة والاحتكار وارتفاع الأسعار، فجأة يدخل الجميع في مرحلة “البحث جاري”.
تصريحات من هذا النوع تكشف مرة أخرى حجم الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي للمغاربة. فالمواطن الذي يقف أمام خروف بثمن يقترب من راتبه الشهري لا يحتاج إلى “تحليل فيسبوكي”، بل يحتاج فقط إلى عينين وجيب فارغ ليعرف أن الأسعار خرجت عن السيطرة.
ثم إن اختزال غضب الناس في “ضجيج مواقع التواصل” لم يعد يقنع أحدا. لأن الفيسبوك لا يرفع الأسعار، ولا يبيع الأعلاف، ولا يتحكم في سلاسل التوزيع، ولا يفرض هوامش الربح الخيالية. الفيسبوك فقط ينقل ما يحدث في الأسواق، وأحيانا يكون أكثر صدقا من البلاغات الرسمية نفسها.
المشكلة الحقيقية ليست في من يتحدث عن الغلاء، بل في من يتعامل معه وكأنه مجرد “إحساس افتراضي”. فحين يصبح المواطن عاجزا عن شراء أضحية دون الدخول في دوامة الديون، فالأزمة لم تعد نقاشا إلكترونيا، بل تحولت إلى واقع اجتماعي ثقيل لا يمكن تغطيته بتصريح ساخر أو جولة بروتوكولية داخل سوق منتخب بعناية.
وفي النهاية، قد يكون أخطر ما في الأمر ليس ثمن الخروف، بل ثمن هذا الانفصال المتزايد بين المسؤول وكلام الناس. لأن المواطن يمكنه أن يتحمل الغلاء لبعض الوقت، لكنه يصعب عليه أن يتحمل من يقنعه بأن ما يراه بعينيه مجرد “منشور فيسبوكي”.

