Site icon جريدة صفرو بريس

واشنطن تغلق الأبواب: الحكم الذاتي آخر العناوين المتاحة أمام البوليساريو


لم يكن اللقاء الذي جمع مسؤولًا أمريكيًا بوفد من جبهة البوليساريو في واشنطن حدثًا عابرًا أو بروتوكوليًا، بل شكّل لحظة سياسية كاشفة لموازين القوى الحقيقية، ولحدود ما تبقّى من هوامش المناورة أمام الجبهة الانفصالية. فحين يُبلغ المسؤول الأمريكي الوفد، بصيغة مباشرة لا تحتمل التأويل، بأن الحكم الذاتي هو الإطار الوحيد المتاح حاليًا لحل النزاع، وأن «من فاته هذا القطار سيبقى في الوراء»، فإننا نكون أمام رسالة سياسية نهائية أكثر منها موقفًا دبلوماسيًا عابرًا.
الأهم في هذا اللقاء ليس فقط مضمون الرسالة الأمريكية، بل ردّ فعل وفد البوليساريو: إحباط واضح، صمت دون اعتراض، ومحاولة خجولة لإعادة طرح المقترح التقليدي للجبهة، سرعان ما وُوجهت بالرفض القاطع. هنا تتضح الحقيقة العارية: الجبهة لم تعد تمتلك لا القدرة على الإقناع، ولا أوراق الضغط، ولا حتى حلفاء مستعدين لإعادة فتح نقاش حُسم دوليًا.
الولايات المتحدة، باعتبارها فاعلًا مركزيًا في هندسة التوازنات الدولية، لا تتحدث من فراغ. موقفها اليوم ينسجم مع مسار دولي متراكم، تعتبر فيه مبادرة الحكم الذاتي المغربية الحل الواقعي والعملي والوحيد القابل للتنفيذ. وهو مسار تؤكده مواقف دول وازنة، وافتتاح قنصليات بالأقاليم الجنوبية، وتراجع متواصل لأطروحة الانفصال داخل المنتظم الدولي.
ما حدث في واشنطن يمكن قراءته كإعلان غير رسمي عن إغلاق ما تبقّى من الأبواب السياسية أمام البوليساريو. لم تعد هناك لغة دبلوماسية مزدوجة، ولا عبارات رمادية، ولا وعود مؤجلة. الرسالة كانت واضحة: لا عودة إلى أطروحات تجاوزها الزمن، ولا استعداد لإعادة تدوير مشروع انفصالي أثبت فشله سياسيًا، وأصبح عبئًا حتى على من كان يدّعي دعمه.
هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في الموقف الأمريكي، بل يكشف أيضًا أزمة بنيوية داخل الجبهة نفسها. فالبوليساريو اليوم تتحرك بخطاب يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، في عالم تغيّرت فيه مفاهيم السيادة، والحكم الذاتي، والتنمية، والشرعية. وبينما اختار المغرب الاستثمار في الحلول الواقعية والتنمية الميدانية وربط الصحراء بمشاريع استراتيجية وطنية وقارية، ظلت الجبهة رهينة خطاب جامد، وارتهان سياسي، وعجز عن تقديم أي أفق قابل للحياة.
إن إحباط وفد البوليساريو في واشنطن ليس إحباطًا ظرفيًا، بل هو تعبير عن نهاية مرحلة. مرحلة كان يُعوَّل فيها على إطالة النزاع، أو الرهان على تغيّر مواقف القوى الكبرى، أو استنزاف الزمن. لكن الزمن نفسه انقلب عليهم، وواشنطن قالت كلمتها بوضوح: الإطار موجود، الباب مفتوح ضمن شروطه، ومن يرفضه يتحمّل مسؤولية العزلة والتهميش.
باختصار، ما جرى في واشنطن يؤكد أن الملف دخل مرحلة الحسم السياسي، وأن الحكم الذاتي لم يعد مقترحًا من بين مقترحات، بل أصبح سقفًا نهائيًا للتسوية. أما البوليساريو، فإن استمرارها في الدوران خارج هذا السقف، لن يقودها إلا إلى مزيد من الانغلاق… ومزيد من الأبواب الموصدة.

Exit mobile version