Site icon جريدة صفرو بريس

هل يغامر حزب الاستقلال في أولاد الطيب فاس بإعادة إنتاج أخطاء الماضي؟


تطرح التحركات السياسية الأخيرة في منطقة أولاد الطيب، ذات الامتداد الاجتماعي المرتبط بسكان قدموا من الريصاني، أسئلة عميقة حول منطق اشتغال الأحزاب السياسية، وكيفية قراءتها للخريطة الاجتماعية، وحدود فهمها للتحولات داخل الفضاءات المحلية.
فمن المعروف أن شريحة واسعة من ساكنة هذه المنطقة تعود في أصولها إلى الريصاني، وهو ما يمنحها امتدادًا ثقافيًا واجتماعيًا متشابكًا، ليس فقط داخل أولاد الطيب، بل أيضًا داخل عدد من الأحياء بمدينة فاس. غير أن هذا الامتداد لا يعني بالضرورة تجانسًا سياسيًا، بل يظل محكومًا بتعقيدات بنيوية، أبرزها استمرار حضور بعض مظاهر “العصبية القبلية” التي، رغم تراجعها النسبي، لا تزال تلعب دورًا في تشكيل موازين التأثير والاصطفاف.
في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: هل ينجح الفاعل الحزبي في فهم هذه البنية المعقدة والتعامل معها بذكاء سياسي؟ أم أنه يسقط في فخ التبسيط والاختزال، عبر الرهان على أسماء محددة، دون إدراك دقيق لشبكات النفوذ الحقيقية داخل المجتمع؟
تبدو بعض مؤشرات التحرك الحزبي، كما لو أنه يراهن على شخصيات من داخل هذا النسيج الاجتماعي، دون أن تكون لها بالضرورة قدرة حقيقية على التأثير أو القيادة داخل فضاء اجتماعي متشعب، تحكمه اعتبارات التوازنات، والشرعية الرمزية، والقبول الجماعي. وهنا يطرح التساؤل نفسه بقوة: هل يتم اختيار “الفاعلين” بناءً على قراءة موضوعية للواقع؟ أم وفق اعتبارات آنية قد لا تصمد أمام اختبار الزمن؟
التجربة السياسية تُظهر أن إغفال هذه المعطيات قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فقد سبق لحزب الاستقلال نفسه أن واجه صعوبات في معاقله التاريخية، بما في ذلك مدينة الريصاني، نتيجة رهانات تنظيمية وسياسية لم تكن في مستوى تعقيد الواقع المحلي، واعتمادٍ على أسماء لم تكن تملك الحنكة الكافية لقيادة أو تأطير المشهد السياسي هناك.
وهنا يعود السؤال بشكل أكثر إلحاحًا: هل يعيد الحزب اليوم نفس الأخطاء في سياق مختلف، أم أنه استخلص الدروس من تجاربه السابقة؟ وهل يمكن بناء حضور سياسي مستدام دون فهم عميق لبنية المجتمع المحلي، وتحولاته، وتوازناته الدقيقة؟
لا يتعلق الأمر فقط بالرهان على الأشخاص، بل بمدى القدرة على بناء مشروع سياسي متكامل، يستوعب الخصوصيات الاجتماعية، دون أن يقع في أسرها، أو يتحول إلى مجرد امتداد لها. فالتحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من منطق “التواجد” إلى منطق “التأثير”، وهو انتقال لا يتحقق إلا عبر أدوات تحليل دقيقة، ونخبة سياسية قادرة على قراءة الواقع بعمق، لا عبر الارتكاز على الولاءات أو الحسابات الضيقة.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا: هل ينجح حزب الاستقلال في إعادة ترتيب أوراقه داخل هذه المنطقة، مستفيدًا من دروس الماضي؟ أم أن رهاناته الحالية قد تعيد إنتاج نفس الإخفاقات، ولكن في سياق اجتماعي أكثر تعقيدًا وتشابكًا؟

Exit mobile version