في الآونة الأخيرة، تصاعدت شكاوى عدد من أرباب الضيعات الفلاحية والوحدات الصناعية بسبب ما يعتبرونه نقصًا متزايدًا في اليد العاملة، وهو ما انعكس، حسب تعبيرهم، على وتيرة الإنتاج وأثار مخاوف بشأن استمرارية بعض الأنشطة الاقتصادية. غير أن هذا الخطاب يثير مفارقة لافتة، إذ يتزامن مع استمرار معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.
هذه المفارقة تدفع إلى طرح سؤال أساسي: هل يعاني المغرب فعلًا من ندرة في اليد العاملة، أم أن الإشكال الحقيقي يكمن في طبيعة فرص الشغل المعروضة؟
الواقع يشير إلى أن سوق العمل يشهد تحولات عميقة خلال السنوات الأخيرة. فالكثير من العمال لم يعودوا مستعدين لقبول وظائف تتسم بانخفاض الأجور، وطول ساعات العمل، وضعف الحماية الاجتماعية، وغياب الاستقرار المهني. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الوعي بالحقوق الاجتماعية، أصبحت هذه الظروف أقل قدرة على استقطاب الباحثين عن العمل.
كما ساهمت عوامل أخرى في تعميق هذا التحول، من بينها اتساع فرص الهجرة النظامية نحو الخارج، وازدياد الإقبال على العمل الحر والأنشطة الرقمية، إلى جانب عزوف فئات واسعة من الشباب عن بعض المهن التي تتطلب مجهودًا كبيرًا مقابل عائد مالي محدود.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن “ندرة اليد العاملة” قد يكون في كثير من الأحيان تعبيرًا عن صعوبة العثور على عمال يقبلون بالعمل وفق الشروط والأجور السائدة، وليس عن نقص حقيقي في عدد الأشخاص القادرين على العمل.
إن معالجة هذه الإشكالية لا يمكن أن تتم فقط بالبحث عن مزيد من العمال، بل تقتضي مراجعة شروط التشغيل، وتحسين الأجور، وتوفير بيئة عمل تحفظ الكرامة وتضمن الحقوق، بما يجعل سوق الشغل أكثر قدرة على جذب الكفاءات والحفاظ عليها.
وفي النهاية، فإن مستقبل الاقتصاد الوطني لن يتوقف على توفر اليد العاملة فحسب، بل على بناء علاقة متوازنة بين العامل ورب العمل، تقوم على العدالة والإنصاف والمصلحة المشتركة، لأن الاستثمار في الإنسان يظل الأساس الحقيقي لأي تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة.

