بقلم: المسكين يوسف
خلال أحداث الهجرة إلى سبتة، كانت الحشود طوفانا بشريا، بينهم الشاب والمرأة والطفل والرجل، وحتى الرضع. كان الجميع يجري وكأنه هارب من السجن إلى الحرية.
لكن ما لم يكن في الحسبان هو سقوط ضحايا خلال هذه الواقعة، التي فسرها كل طرف وفقا لمصالحه. كثرت التحليلات والتأويلات، لكن ما لا يستطيع أحد إنكاره هو الأرواح التي أزهقت، رغم تقزيم عدد الضحايا أو تهويله.
أدنى رقم صرحت به وزارة الداخلية المغربية هو 11 وفاة، رغم أن مواقع التواصل الاجتماعي تداولت أرقاما أخرى، إلى جانب نداءات العائلات الباحثة عن أبنائها المفقودين.
أما الطرف الآخر، إسبانيا، بملكها ورئيس حكومتها وصحافتها وأحزابها يمينا ويسارا، فقد تحدث عن أرقام أكبر. وكانت لها الأسبقية في الحديث عن الأحداث، في الوقت الذي كانت فيه الحكومة المغربية صامتة، لأسباب يفسرها كل شخص حسب موقعه وقناعاته.
هذا التقزيم أو التهويل يكشف عن حسابات ودفاتر مفتوحة في الكواليس. كل طرف يريد أن تكون نتائج الأحداث في صالحه، وأن تتحول المأساة إلى ورقة ضغط. وهذا أمر وارد في الصراعات الباردة بين الدول، وتاريخ المغرب وإسبانيا يحمل في طياته ملفات لم تغلق بعد.
ولعل الحدود بين تركيا واليونان وبلغاريا تقدم مثالا آخر على توظيف ملف الهجرة في الصراعات السياسية، وإن اختلفت الظروف. فهناك تستخدم تركيا المهاجرين الأجانب كورقة ضغط على أوروبا، بينما نجد، للأسف، فئة كبيرة من المواطنين المغاربة أنفسهم في قلب هذا الصراع، سواء عند حدود سبتة أو في طرق البلقان الأخرى.
لن نحلل موقف إسبانيا، لأنها في نهاية المطاف تدافع عن مصالحها، ولن ننتظر منها حسن النية، فالتاريخ كفيل بالإجابة.
لكن منذ اليوم الأول للمأساة، تناولت صحف ومواقع وحسابات عديدة ما جرى، كل من زاويته. واجتمع كثير منها على حملات تحريض ورسائل وتعبئة تخدم مواقف مختلفة، بينما ظل الصمت الرسمي حاضرا إلى أن اتسعت رقعة الأحداث، وأصبح الحديث عن أعداد كبيرة من الوفيات يفرض نفسه.
وعندما صدر التصريح الرسمي الذي تحدث عن 11 وفاة، بدا باردا بالنسبة لكثيرين، وكأن الضحايا مجرد رقم زائد في الحساب.
كمسؤولين في الدولة، فاوضوا وصارعوا بالطريقة التي تعجبكم، لكن هؤلاء مغاربة. سواء كان العدد 12 أو 200، ألا يستحق هؤلاء دقيقة صمت ترحما عليهم؟ ألا تستحق عائلاتهم كلمة تعزية ومواساة؟ أم أن المواطن أصبح آخر ما يُحسب له حساب في هذه المعادلة؟ عن أي مكاسب، وعن أي حدود نتحدث إذا كانت فوق الجثث؟
لماذا في كل مرة تقع فيها مأساة ننشغل بالخارج أكثر من الداخل؟ لو تم الاهتمام بالداخل كما يجب، لكان استغلال الخارج لمثل هذه الأحداث أكثر صعوبة. ولما بقيت أحلام آلاف الشباب محصورة في الهجرة إلى أوروبا، وهم يعلمون مسبقا أنهم لن يجدوا الأموال السهلة، بل سيعملون في الحقول والمصانع والمهن التي يعزف عنها كثير من الأوروبيين.
لا نريد أن نخوض في كيف حدثت مأساة سبتة، ولماذا، ومن المسؤول عنها، لأن كل ذلك يفقد قيمته أمام جثث أبناء الوطن وبناته.
السؤال الحقيقي هو: ماذا ينقص المغرب حتى يهرول الشباب نحو البحر؟
لنكن واضحين وبسطاء، بعيدا عن التعقيدات الاقتصادية والسياسية. فالمنطق الذي تدار به الأمور لم يعد يقنع كثيرا من الناس. أن يصدر تقرير، في خضم أحداث سبتة، يتحدث عن تراجع البطالة، حتى وإن كان الرقم صحيحا، لا يجيب عن سؤال واحد: لماذا يرتمي الشباب في البحر؟
كيف تريدون من الشباب أن يبقى، والسكن الاقتصادي الذي لا تتجاوز كلفته بضعة ملايين من الدراهم في الأصل، يباع بأضعاف ذلك اربع مرات؟ من أين سيأتي الشاب بهذا المبلغ؟
كيف تعفى شركات أجنبية من الضرائب وتمنح التسهيلات، بينما تشغل الشباب بأجور لا تتجاوز 3000 درهم في طنجة والقنيطرة والدار البيضاء ومكناس والخميسات وغيرها؟ أي عقل لا يزال يصدق أن هذا الأجر يكفي لمواجهة تكاليف الحياة؟ إنه قد لا يكفي حتى لنصف الشهر.
كيف سيبقى الشباب، وأسعار المحروقات ترتفع باستمرار، دون حسيب أو رقيب كل شهر درهم او درهمين؟ وهل توجد مثل هذه الاختلالات بالشكل نفسه في إسبانيا؟
كيف يمكن إقناع الناس بأن دعما بقيمة 500 درهم، بشروط صارمة، يكفي لمواجهة غلاء المعيشة؟
كيف يبقى الشباب في جهة درعة تافيلالت، في مناطق تعاني من قلة المياه وضعف الفرص الاقتصادية؟ وكيف هو حال التعليم؟ وأين هو الأفق الذي يطلب من الشباب أن يتمسك به؟
كيف يعقل أن يتوفر المغرب على واجهتين بحريتين، وهناك آلاف المواطنين لا يستطيعون شراء أبسط أنواع السمك، مثل السردين؟
وكيف يعقل أن يقضي المواطن يوما كاملا من أجل استخراج وثيقة إدارية؟ وخير مثال على ذلك شهادة السكنى، في حين أن آلاف المواطنين لا يملكون أصلا سكنا قارا، ويتنقلون بين الكراء والإقامة المؤقتة، فلا يستطيعون الحصول عليها.
الكلام كثير، لكن في النهاية، مهما كان المسؤول عن أحداث سبتة، سواء بسوء نية أو بحسن نية، فإن ما جرى يكشف نقاط ضعفنا أكثر مما يكشف نقاط قوتنا. وكل طرف سيرى الحدث من زاويته، لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن تضيع ولا يمكن حجبها هي أن الضحايا كانوا أبناء هذا الوطن.

