هل خروج الأحرار إلى المعارضة سيناريو محبوك لخدمة حكومة المنصوري؟

مع اقتراب لحظة الحسم في موقع التجمع الوطني للأحرار داخل المشهد السياسي المقبل، بدأ يطرح سيناريو انتقال الحزب إلى المعارضة باعتباره احتمالا قد يقلب موازين المرحلة الجديدة. غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما إذا كان الأحرار سيدخلون الحكومة أو سيجلسون في المعارضة، وإنما بما إذا كان خروجهم من الأغلبية، في حال حدوثه، يمكن أن يتحول بصورة غير مباشرة إلى عنصر يخدم حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ويمنحها هامشا أوسع لإعادة تشكيل الأغلبية وترتيب المشهد السياسي.
المعطيات الرسمية المتوفرة لا تؤكد بعد هذا السيناريو؛ فقد أعلن المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة، لكنه أحال الحسم النهائي إلى المجلس الوطني للحزب المقرر انعقاده يوم السبت 3 أكتوبر. وهذا يعني أن الحديث عن انتقال الأحرار إلى المعارضة لا يزال في دائرة الاحتمالات، وليس قرارا نهائيا معلنا.
لكن سياسيا، إذا اختار الأحرار المعارضة، فإن المشهد سيصبح أكثر تعقيدا وإثارة للاهتمام. فالحزب الذي قاد الحكومة السابقة سيكون خارج السلطة، في الوقت الذي اختار فيه العدالة والتنمية بدوره الاصطفاف في المعارضة. وهنا يمكن أن تنشأ معادلة غير مألوفة: معارضة تضم حزبا كان يقود الحكومة إلى جانب حزب عاد إلى البرلمان بخطاب معارض قوي، بينما تتولى المنصوري تشكيل أغلبية جديدة من مكونات أخرى. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح خروج الأحرار من الحكومة مفيدا لها من حيث إعادة توزيع المسؤوليات السياسية، خصوصا إذا تمكنت من بناء أغلبية مريحة من الأصالة والمعاصرة والاستقلال وأحزاب أخرى.
وهذا هو جوهر فرضية “السيناريو المحبوك”: فبدلا من النظر إلى انتقال الأحرار إلى المعارضة باعتباره ضربة للحكومة، يمكن قراءته باعتباره إعادة ترتيب للمشهد، بحيث تنتقل مسؤولية المرحلة السابقة إلى المعارضة الجديدة، بينما تبدأ الحكومة الجديدة ببرنامج وتركيبة مختلفين. كما أن وجود الأحرار والعدالة والتنمية معا في المعارضة قد يخلق تنافسا بين مكونات المعارضة نفسها حول من يقود الخطاب المعارض ومن يفرض أجندة النقاش داخل البرلمان، وهو ما قد يخفف من قدرة طرف واحد على احتكار موقع المعارضة.
غير أن هذه القراءة تبقى فرضية تحليلية وليست دليلا على وجود اتفاق مسبق بين الأحزاب. فحتى الآن، لا توجد معطيات علنية تثبت أن قرارا بالذهاب إلى المعارضة صيغ بهدف خدمة الحكومة المقبلة. بل إن الأحرار أعلنوا رسميا استعدادهم للمشاركة في الحكومة، كما أن المشاورات أظهرت وجود أكثر من صيغة ممكنة لتشكيل الأغلبية.
والأكثر أهمية أن خروج الأحرار من الأغلبية لن يكون بالضرورة مكسبا صافيا للحكومة؛ إذ إن الحزب يملك 66 مقعدا، وبالتالي فإن ابتعاده عن الأغلبية سيجبر المنصوري على تعويض هذا الوزن البرلماني بأحزاب أخرى، أو بناء تركيبة مختلفة قادرة على ضمان الأغلبية داخل مجلس النواب. وفي المقابل، فإن انضمامه إلى الحكومة سيمنحها قاعدة برلمانية واسعة، لكنه سيجعلها أيضا أمام استمرار حضور حزب شارك في تدبير المرحلة الحكومية السابقة.
لذلك، فإن المعادلة الحقيقية لا تكمن في سؤال: هل الأحرار مع الحكومة أم ضدها؟ وإنما في سؤال أكثر تعقيدا: من سيستفيد سياسيا من تموقع الأحرار في المعارضة إذا حدث؟ هل سيكون ذلك بداية مواجهة جديدة بين مكونات المعارضة، أم وسيلة لإعادة ترتيب الأغلبية، أم مجرد اختيار حزبي هدفه إعادة قراءة نتائج الانتخابات والتموقع من جديد؟
وفي انتظار القرار النهائي للمجلس الوطني للأحرار، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة. لكن المؤكد أن موقع الحزب في المرحلة المقبلة سيكون واحدا من المفاتيح الأساسية لفهم شكل حكومة المنصوري وحدود أغلبيتها، وكذلك طبيعة المعارضة التي ستواجهها داخل البرلمان وخارجه.




