هل تنجح مبادرة “أيها الوطنيون اتحدوا”؟ بين الحنين السياسي وواقع التوازنات الانتخابية

أعادت المبادرة التي أطلقها علي بوعبيد، تحت شعار “أيها الوطنيون اتحدوا”، النقاش حول سؤال قديم يتكرر قبل كل محطة انتخابية كبرى: هل ما تزال “القوى الوطنية” قادرة فعلاً على بناء جبهة سياسية موحدة، أم أن الزمن تجاوز هذا النوع من الاصطفافات التي تنتمي إلى مرحلة سياسية مختلفة؟
المبادرة، التي حظيت بدعم حزب حزب التقدم والاشتراكية، تحمل في ظاهرها رغبة في إعادة الروح إلى العمل السياسي، واستعادة الثقة المفقودة بين المواطن والأحزاب، لكنها في العمق تصطدم بتعقيدات أكبر من مجرد إصدار نداء وحدوي أو رفع شعارات إصلاحية.
أولى نقاط قوة المبادرة تكمن في توقيتها السياسي. فالمشهد الحزبي يعيش حالة ارتباك واضحة قبل انتخابات شتنبر المقبلة، وسط تراجع الثقة في الأحزاب، واتساع دائرة العزوف، وغياب مشاريع سياسية قادرة على خلق تعبئة جماهيرية حقيقية. لذلك تبدو أي دعوة لإعادة ترتيب الصفوف محاولة لملء فراغ سياسي يتسع سنة بعد أخرى.
لكن السؤال الجوهري لا يتعلق بجمالية الخطاب، بل بقدرة أصحابه على تحويله إلى قوة سياسية حقيقية. وهنا تبدأ العقبات.
أول هذه العوائق هو غياب أرضية إيديولوجية مشتركة بين الأطراف التي يمكن أن تنخرط في هذا المشروع. فالأحزاب التي تصنف نفسها ضمن “القوى الوطنية” لم تعد تتحرك وفق مرجعيات سياسية واضحة كما كان الأمر في عقود سابقة، بل أصبحت محكومة بمنطق التدبير الانتخابي والتحالفات الظرفية أكثر من الالتزام بخيارات فكرية متماسكة.
العائق الثاني يرتبط بأزمة الثقة داخل الفضاء الحزبي نفسه. فالكثير من الأحزاب التي قد تُدعى للانخراط في المبادرة تحمل تاريخاً طويلاً من الخلافات والانشقاقات والصراعات الشخصية، ما يجعل فكرة بناء جبهة موحدة أمراً معقداً، خصوصاً في ظل التنافس حول الزعامة والتموقع داخل أي تحالف محتمل.
أما العائق الثالث فهو أن الشارع المغربي لم يعد يتفاعل بسهولة مع الخطابات السياسية التقليدية. فجزء مهم من المواطنين يرى أن أغلب المبادرات الحزبية تُطلق قبيل الانتخابات ثم تختفي بعدها، دون أثر ملموس على الواقع الاجتماعي أو الاقتصادي. لذلك فإن أي مشروع وحدوي سيجد نفسه مطالباً بتقديم أجوبة عملية حول التشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، بدل الاكتفاء بالحديث عن “الوطنية” و”الإصلاح”.
كما أن المبادرة تواجه تحدياً آخر يتعلق بطبيعة التحولات التي عرفها المشهد السياسي المغربي خلال السنوات الأخيرة. فمراكز التأثير لم تعد مرتبطة فقط بالأحزاب التاريخية، بل ظهرت فاعليات جديدة مرتبطة بالإدارة والمال والإعلام وشبكات النفوذ المحلي، وهو ما يجعل أي مشروع سياسي تقليدي مطالباً بمواجهة واقع انتخابي أكثر تعقيداً من السابق.
ورغم هذه الصعوبات، لا يمكن التقليل من أهمية المبادرة على المستوى الرمزي. فهي تعكس وجود إدراك داخل جزء من النخبة السياسية بأن استمرار الوضع الحالي يهدد بمزيد من فقدان الثقة في المؤسسات والعمل الحزبي، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي وانتظارات الشارع.
لكن نجاح المبادرة لن يقاس بعدد البلاغات الداعمة أو الأسماء الملتحقة بها، بل بقدرتها على إنتاج مشروع سياسي واضح، يمتلك الجرأة على نقد الذات أولاً، ويقنع المغاربة بأن السياسة يمكن أن تكون أداة للتغيير لا مجرد موسم انتخابي يتكرر كل خمس سنوات




