أعلنت المندوبية السامية للتخطيط تسجيل ارتفاع الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 0,3 في المائة خلال شهر يناير 2026 مقارنة بدجنبر 2025، وهي معطيات تبدو، في ظاهرها، تقنية ومحايدة. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل تعكس هذه الأرقام فعلاً ما يعيشه المواطن المغربي يومياً، أم أنها صحيحة إحصائياً فقط داخل منطق الحسابات؟
من الناحية المنهجية البحتة، تبقى الأرقام التي قدمتها المندوبية منسجمة داخلياً. فالزيادة الشهرية تعزى أساساً إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بـ0,8 في المائة، مقابل تراجع طفيف في المواد غير الغذائية بـ0,1 في المائة، خاصة بفعل انخفاض أسعار المحروقات بـ5,9 في المائة. هذا التفسير منطقي من زاوية حساب المؤشر، لأن المحروقات تملك وزناً مهماً ضمن سلة الاستهلاك، وأي تراجع فيها يخفف الضغط على المؤشر العام.
غير أن الإشكال يبدأ عند تفكيك مكونات الارتفاع الغذائي. فالزيادات همّت مواد أساسية وحساسة في الاستهلاك اليومي، مثل السمك وفواكه البحر بنسبة تفوق 4 في المائة، والخضر بـ2,7 في المائة، واللحوم والفواكه بنسب متفاوتة. هذه المواد تُقتنى بشكل شبه يومي من طرف فئات واسعة، خصوصاً الأسر ذات الدخل المحدود، ما يجعل أثرها النفسي والاجتماعي أكبر بكثير من وزنها الإحصائي المجرد.
في المقابل، فإن تراجع أسعار “الزيوت والدهنيات” أو “الحليب والجبن والبيض” بنسب طفيفة، رغم أهميته، لا يعوض عملياً الارتفاع المسجل في باقي المواد الطازجة، نظراً لاختلاف وتيرة الاستهلاك وحجم الإنفاق المخصص لكل صنف. هنا تظهر فجوة كلاسيكية بين “معدل التضخم” كما يُحسب، و”الإحساس بالتضخم” كما يعيشه المواطن.
أما على المستوى المجالي، فتفاوت نسب الارتفاع بين المدن يعكس حقيقة أن التضخم ليس ظاهرة موحدة. فارتفاع الأسعار في بني ملال بـ1,5 في المائة أو في مدن متوسطة أخرى، يطرح تساؤلات حول سلاسل التوزيع، وكلفة النقل، وهوامش الوسطاء، مقارنة بمدن سجلت انخفاضاً طفيفاً مثل الداخلة أو طنجة. هذا التباين لا ينفي صحة الأرقام، لكنه يؤكد أن المتوسط الوطني يخفي اختلالات ترابية واضحة.
وعلى الأساس السنوي، تشير المندوبية إلى انخفاض المؤشر بـ0,8 في المائة مقارنة بين يناير 2025 ويناير 2026، نتيجة تراجع أسعار المواد الغذائية بـ2,1 في المائة. هذا المعطى صحيح حسابياً، لكنه يحتاج إلى قراءة زمنية أوسع: فالمقارنة السنوية لا تمحو الأثر التراكمي لسنوات من الغلاء، ولا تعني بالضرورة تحسناً في القدرة الشرائية، بل فقط أن وتيرة الارتفاع أبطأ من السنة الماضية.
الأمر نفسه ينطبق على “مؤشر التضخم الأساسي”، الذي سجل استقراراً شهرياً وانخفاضاً سنوياً بـ1,2 في المائة. هذا المؤشر مفيد للسياسات النقدية، لكنه أقل تعبيراً عن واقع الأسر، لأنه يستثني مواداً ذات تقلبات عالية، وهي غالباً أكثر ما يثقل كاهل المستهلك البسيط.
خلاصة القول، إن معطيات المندوبية السامية للتخطيط صحيحة من حيث المنهج والحساب، ولا يمكن الطعن فيها تقنياً، لكنها تظل ناقصة من حيث التعبير الاجتماعي. فالأرقام تقول إن التضخم يتباطأ، بينما يشعر المواطن أن الغلاء مستمر، والسبب ليس في “كذب الأرقام”، بل في حدود ما تستطيع الإحصاءات التقاطه مقارنة بتعقيد الواقع المعيشي. هنا تحديداً يكمن التحدي الحقيقي: تحويل المؤشرات الاقتصادية من مجرد أرقام مطمئنة، إلى سياسات ملموسة تُحسّن فعلياً قدرة الأسر على الصمود.
هل تعكس أرقام المندوبية واقع الأسعار؟ قراءة تحليلية في معطيات التضخم لشهر يناير 2026

