Site icon جريدة صفرو بريس

هل تسقط الطعون الانتخابية أسماء برلمانية؟ حين تصل الخلافات إلى المحكمة الدستورية تختبر الأغلبية تماسكها

لم تعد الطعون الانتخابية التي أعقبت اقتراع 23 شتنبر 2026 مجرد مساطر قانونية معزولة، بل تحولت إلى اختبار سياسي لعلاقة الأحزاب ببعضها، ولقدرة الأغلبية الحكومية على التوفيق بين منطق التحالفات ومقتضيات التنافس الحزبي. فحين تتجه أحزاب من المعارضة إلى المحكمة الدستورية للطعن في انتخاب أسماء فائزة، ويلتحق بها حزب من الأغلبية بطعن ضد منتخب محسوب على حليف سياسي، يصبح السؤال أكبر من مصير مقعد برلماني: هل تنتهي المنافسة بين الأحزاب عند صناديق الاقتراع، أم تستمر داخل المؤسسات وبعد تشكيل التحالفات؟

في طنجة، عادت قضية «الصاك» لتلقي بظلالها على المشهد السياسي، بعدما تقدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بطعن في العمليات الانتخابية بالدائرة، في سياق الجدل الذي أثارته القضية وما رافقها من تحقيقات قضائية. كما سبق لتحالف اليسار أن أعلن طعونا مرتبطة بنتائج الدائرة، التي فازت فيها أحزاب متعددة، من بينها الأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار. وبالتوازي، تقدم تحالف اليسار بطعن ضد انتخاب عبد الصمد عرشان في دائرة تيفلت–الرماني، مستندا إلى ما وصفه بخروقات انتخابية واستغلال موارد جماعية، وهي ادعاءات يظل الحسم فيها من اختصاص القضاء.

أما الطعن المرتبط بمقعد مصطفى لخصم في دائرة صفرو، فيفتح بدوره بابا آخر للنقاش، بعدما أفادت تقارير صحفية بتقدم الحركة الشعبية بطعن في انتخابه. وهنا تظهر المفارقة السياسية بوضوح: ليست كل الطعون صادرة عن المعارضة، وليست كل الخصومات الانتخابية محصورة بين أحزاب متنافسة على مواقع متقابلة؛ فقد يجد الحزب نفسه في مواجهة منتخب أو طرف كان بالأمس جزءا من بيئته السياسية، أو في مواجهة حليف يلتقي معه داخل الأغلبية في ملفات أخرى.

لكن هل يعني ذلك أن هذه الأسماء ستسقط من البرلمان؟ الجواب ليس بهذه البساطة. فتقديم الطعن لا يساوي إلغاء الانتخاب، كما أن حجم الضجة السياسية والإعلامية لا يحل محل الأدلة والقرارات القضائية. المحكمة الدستورية هي التي ستفحص كل ملف على حدة، وتدرس الحجج والوثائق ومدى تأثير الخروقات المدعى بها في سلامة العملية الانتخابية. وقد تنتهي المسطرة إلى رفض الطعن، أو إلى قرار يترتب عليه إلغاء الانتخاب وفق ما يسمح به القانون. لذلك فإن الحديث عن إسقاط المقاعد قبل صدور القرارات النهائية يبقى سابقا لأوانه.

غير أن الأثر السياسي لهذه الطعون بدأ قبل صدور أي حكم. فالعلاقة بين الاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة تبدو أمام امتحان دقيق؛ إذ إن وجود الحزبين في الأغلبية لا يعني بالضرورة تطابق مصالحهما في كل دائرة انتخابية، ولا يلغي حق كل طرف في الدفاع عن موقعه السياسي واللجوء إلى القضاء. فالتحالف الحكومي يقوم أساسا على التوافق بشأن التدبير والبرنامج والأولويات، وليس بالضرورة على إلغاء التنافس بين مكوناته أو التنازل عن الحق في الطعن حين يرى حزب أن نتائج اقتراع شابتها خروقات.

ومع ذلك، فإن استمرار الخلافات الانتخابية بين مكونات الأغلبية قد يترك أثرا في منسوب الثقة المتبادلة، خصوصا إذا تحولت الملفات القضائية إلى مادة للتراشق السياسي أو إلى وسيلة للضغط في ملفات أخرى. وقد يحاول كل حزب حماية صورته أمام ناخبيه، وإظهار أنه لا يمنح حلفاءه حصانة سياسية، وأن احترام القانون ينبغي أن يظل فوق الحسابات الحزبية. وفي المقابل، قد يحرص قادة الأغلبية على احتواء التوتر حتى لا تنتقل نزاعات الدوائر المحلية إلى مستوى تعطيل التنسيق الحكومي والبرلماني.

وهنا يكمن جوهر المفارقة: هل تستطيع الأحزاب أن تتعايش داخل أغلبية واحدة، بينما تتواجه انتخابيا وقضائيا في الدوائر؟ التجربة السياسية تقول إن ذلك ممكن، لأن التحالفات لا تعني الذوبان في حزب واحد، ولأن القضاء يفترض أن يبقى مستقلا عن التفاهمات السياسية. لكن نجاح هذا التعايش يتوقف على قدرة الأطراف على الفصل بين المسار القضائي المشروع والخلاف السياسي، وعلى احترام قرارات المحكمة أيا كانت، دون تحويلها إلى ذريعة لتصفية الحسابات أو إلى سبب لاتهام الخصوم دون أدلة.

وفي حالة الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي، سيكون الاختبار الحقيقي في كيفية تدبير التباين بينهما: هل سيظل الخلاف محصورا في المسطرة الانتخابية، أم سيؤثر في التنسيق داخل الأغلبية؟ لا توجد، حتى الآن، معطيات كافية للجزم بأن الطعن سيؤدي إلى قطيعة سياسية بين الطرفين، كما لا يمكن افتراض أن التحالف سيمنع أي توتر. فالمسألة ستتوقف على تطور الملفات، ومواقف القيادات، وطبيعة التفاهمات التي تجمع مكونات الأغلبية.

في النهاية، ليست القضية في عدد المقاعد التي قد تبقى أو تسقط فقط، بل في الرسالة التي ستبعث بها هذه الملفات إلى الرأي العام: هل تصبح الطعون وسيلة فعلية لحماية نزاهة الانتخابات، أم تتحول في نظر المواطنين إلى حلقة جديدة من الصراع بين الأحزاب على المواقع؟ إن الحسم القضائي وحده كفيل بتحديد المسؤوليات والآثار القانونية، أما سياسيا، فقد كشفت هذه التطورات أن التحالفات لا تمحو التنافس، وأن تماسك الأغلبية لا يقاس بتجنب الخلافات، بل بقدرتها على احترام القانون وإدارة اختلافاتها دون المساس بثقة المواطنين في المؤسسات.

Exit mobile version