هل أعوان الحراسة بشر؟ عندما تتحول ساعات العمل إلى عبودية

هل أعوان الحراسة بشر؟ سؤال قد يبدو صادما، لكنه يصبح مشروعا عندما نقرأ ما نسبته النقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ إلى صفقة عمومية تتعلق بتشغيل أعوان حراسة خاصة لمدة 12 ساعة يوميا، بالتزامن مع دخول قانون جديد يتعلق بساعات العمل حيز التنفيذ.
لقد بلغ السيل الزبى، لأن القضية لا تتعلق بمجرد رقم في دفتر شروط أو بند في صفقة عمومية، بل تتعلق بإنسان يقضي نصف يومه تقريبا في موقع العمل، واقفا أو في ظروف مرهقة، ثم يعود إلى منزله ليستعد ليوم عمل جديد.
طالبت لبنى نجيب، الكاتبة العامة للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، المديرة العامة لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل بتقديم توضيحات للرأي العام بشأن الصفقة التي تقول النقابة إنها تتضمن تشغيل أعوان الحراسة لمدة 12 ساعة يوميا.
والأخطر أن هذه الاتهامات تأتي في سياق دخول القانون رقم 032.26 المتعلق بساعات العمل حيز التنفيذ، وهو ما جعل النقابة تتساءل عن مدى احترام المؤسسة للمقتضيات القانونية الجديدة، خصوصا أن الأمر يتعلق بمؤسسة عمومية يفترض فيها أن تكون نموذجا في احترام التشريع الاجتماعي.
هنا لا بد من التوقف.
إذا كانت مؤسسة عمومية مطالبة بتطبيق القانون، وإذا كانت شركة خاصة مطالبة بدورها باحترام حقوق العمال، فمن يحمي العامل عندما يصبح هو الحلقة الأضعف بين الطرفين؟
العامل لا يملك شركة، ولا يملك محامين، ولا يملك قوة تفاوضية كبيرة. يملك فقط جسده ووقته، وفي نهاية الشهر ينتظر أجرا يساعده على دفع الكراء والفواتير وإطعام أسرته.
ومع ذلك، نجد أنفسنا أمام قطاع يشتغل فيه آلاف الأشخاص في ظروف تجعل السؤال عن الكرامة المهنية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
12 ساعة من العمل ليست مجرد 12 رقما مكتوبا في وثيقة. إنها 12 ساعة من حياة إنسان.
إنها 12 ساعة من عمر أب أو أم، 12 ساعة بعيدا عن الأسرة، 12 ساعة من التعب، وقد تكون 12 ساعة من الوقوف والحر والبرد والضغط والمسؤولية، ثم يعود العامل إلى منزله وهو مطالب بأن يكون مستعدا لجولة أخرى.
فهل أصبح وقت العامل أرخص من أي شيء آخر؟
وهل أصبحت حاجة الإنسان إلى العمل مبررا لاستنزافه؟
الأخطر من ذلك هو ما ورد على لسان النقابة من اتهامات تتعلق بعدم احترام الحد الأدنى للأجور وحقوق أعوان الحراسة، وهي اتهامات تستوجب التحقق والرد من الجهات المعنية، لأن الحديث هنا لا يتعلق بخلاف نقابي عابر، وإنما بحقوق اجتماعية وقانونية يفترض أن تكون محمية.
أما وصف الشركة المعنية بأنها “نقطة سوداء” في القطاع، فهو اتهام خطير، ويستوجب من الشركة المعنية بدورها أن تقدم للرأي العام توضيحاتها، حتى لا يبقى العامل وحده في مواجهة الاتهامات والتأويلات.
لكن السؤال الأكبر يتجاوز الشركة ومكتب التكوين المهني.
أين هي الرقابة؟
أين هي مفتشية الشغل؟
أين هي الجهات التي يفترض أن تتأكد من احترام الشركات للقانون؟
وأين هي المؤسسات التي تراقب الصفقات العمومية قبل أن تتحول إلى بوابة لاستنزاف العمال؟
لا يمكن أن تكون الدولة حاضرة بقوة عندما يتعلق الأمر بتحصيل الضرائب والغرامات، ثم تصبح غائبة عندما يتعلق الأمر بحقوق العامل.
ولا يمكن أن نطلب من المواطن احترام القانون، ثم نتركه يواجه واقع العمل القاسي دون حماية فعلية.
لقد بلغ السيل الزبى عندما يصبح العامل مضطرا إلى قبول شروط مجحفة لأنه يخشى فقدان مصدر رزقه.
فالعامل الذي يقبل 12 ساعة من العمل ليس بالضرورة مقتنعا بها، وقد لا يكون راضيا عنها، لكنه قد يكون ببساطة خائفا من البطالة.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: عندما تتحول البطالة إلى أداة ضغط، يصبح العامل مستعدا للتنازل عن جزء من كرامته ووقته وحقوقه فقط حتى لا يعود إلى طابور العاطلين.
وهذا ليس سوق عمل سليما، بل اختلال في ميزان القوة.
الوطن لا ينبغي أن يتحول إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف، ولا ينبغي أن يصبح المواطن مجرد يد عاملة رخيصة يمكن استنزافها لأنها تحتاج إلى الراتب.
الشركات لها الحق في الربح، نعم، ولكن ليس من حقها أن تجعل الربح قائما على إنهاك الإنسان.
والمؤسسات العمومية لها الحق في إبرام الصفقات، نعم، ولكن ليس من المفترض أن تتحول الصفقات العمومية إلى مبرر للتنصل من المسؤولية الاجتماعية.
إذا صحت ما أوردته النقابة من معطيات، فنحن أمام قضية تستحق تحقيقا واضحا وشفافا، وليس مجرد صمت إداري.
ومن حق الرأي العام أن يعرف: كيف أبرمت الصفقة؟ وما هي شروطها؟ وهل تتوافق فعلا مع القانون الجديد؟ وما هي ساعات العمل الفعلية؟ وما هي الأجور؟ ومن يراقب تنفيذ بنودها؟ وهل يحصل أعوان الحراسة على كامل حقوقهم؟
هذه ليست أسئلة سياسية، ولا مزايدة نقابية.
هذه أسئلة تتعلق بالإنسان.
لأن العامل ليس رقما في صفقة، وليس بندا في دفتر تحملات، وليس مجرد حارس يقف خلف باب مؤسسة.
إنه إنسان له جسد يتعب، وأسرة تنتظره، ووقت لا يعود، وكرامة لا يجوز أن تكون جزءا من أي صفقة.
وإذا كانت هناك فعلا شركات تستغل حاجة المواطنين إلى العمل، ومؤسسات تتعامل مع الأمر وكأنه طبيعي، فالمطلوب ليس فقط محاسبة الشركة، بل محاسبة منظومة الرقابة التي سمحت باستمرار هذه الممارسات.
لقد بلغ السيل الزبى، والسؤال لم يعد: كم ساعة يعمل الحارس؟
السؤال الحقيقي هو:
كم بقي من كرامة العامل عندما يصبح 12 ساعة من عمره مجرد رقم في صفقة عمومية؟



