المغرب

هروب من حيتان القرش البرية


لم يعد البحر وحده مصدر الخوف، فقبل أن يغامر آلاف الشباب والأسر بأرواحهم بين الأمواج، يكونون قد هربوا أصلاً من حيتان قرش برية لا تعيش في الماء، بل تتجول في الإدارات والمؤسسات، وتقتات على الأحلام والفرص.
في هذه الصورة، لا يبدو المشهد مجرد محاولة هجرة سرية، بل هو استعارة لواقع مرير. رجل وامرأة وقاصر يسبحون بكل ما تبقى لديهم من أمل، بينما يطاردهم على اليابسة قرش من نوع آخر؛ مسؤولون وسياسيون التهموا فرص الشغل، وأغرقوا المواطنين في البطالة، ورفعوا كلفة المعيشة، حتى أصبح البحر، رغم مخاطره، أقل رعباً من البقاء.
الهجرة ليست دائماً بحثاً عن الرفاهية، بل قد تكون هروباً من واقع يشعر فيه الإنسان أنه محاصر من كل الجهات. حين تضيق الأرض بما رحبت، يصبح المجهول خياراً، ويصبح الموت في البحر احتمالاً يقبله البعض على مضض، لأنه يعتقد أن الحياة على اليابسة لم تعد تمنحه شيئاً.
إن أخطر القروش ليست تلك التي تظهر زعانفها فوق الماء، بل تلك التي ترتدي البذلات الأنيقة، وتتحدث عن الإنجازات والوعود، بينما تتزايد طوابير العاطلين، وتتآكل القدرة الشرائية، ويزداد اليأس في نفوس الشباب.
ستبقى قوارب الهجرة تمتلئ، ما دام هناك من يحول الوطن إلى مكان يهرب منه أبناؤه بدل أن يتمسكوا به. فحين يفقد المواطن الأمل، يصبح البحر مجرد طريق، أما القرش الحقيقي… فيظل على اليابسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى