المغرب

هجرة جماعية من سفينة الأحرار… واش حتى الرباط ولات كتقول: “آخر واحد يخرج يطفي الضو؟”

في السياسة المغربية، تعودنا على مشهد الالتحاق الجماعي بالأحزاب عندما تقترب الانتخابات، لكن ما يقع اليوم داخل حزب التجمع الوطني للأحرار بالرباط يبدو أشبه بمشهد معاكس تماماً: استقالات جماعية بالجملة، وعمدة العاصمة نفسها تغادر السفينة رفقة عدد من أبرز الوجوه التي كانت إلى وقت قريب تقدم نفسها كجزء من “الفريق المنتصر”.

ثمانية مستشارين جماعيين، من بينهم عمدة الرباط فتيحة المودني، قرروا فجأة تعليق الرحلة السياسية والانسحاب من الحزب. والسبب المعلن؟ “اعتبارات موضوعية” و”صعوبات في أداء الأمانة الحزبية والسياسية”. أما المواطن البسيط، فهو يحاول فك شيفرة هذه اللغة السياسية الراقية التي غالباً ما تعني شيئاً واحداً: هناك شيء ما لا يشتغل كما يجب داخل المطبخ الحزبي.

الغريب أن هذه الاستقالات جاءت مباشرة بعد الإعلان عن لوائح المرشحين للانتخابات التشريعية المقبلة. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل الأمر يتعلق فعلاً باعتزال السياسة كما تقول الرسالة؟ أم أن السياسة هي التي اعتزلتهم بعد توزيع التزكيات؟

في المغرب، أصبح “الاعتزال السياسي” يشبه اعتزال لاعبي كرة القدم. يعلن اللاعب الاعتزال صباحاً، وفي المساء يوقع لفريق جديد. لذلك ينتظر المتابعون الأيام المقبلة لمعرفة ما إذا كان المعتزلون سيكتفون بالجلوس في المدرجات أم سيظهرون فجأة بقميص سياسي جديد أكثر راحة ومقاساً.

أما حزب الأحرار، الذي بنى صورته خلال السنوات الماضية على فكرة التنظيم والقوة والانسجام الداخلي، فيجد نفسه أمام مشهد محرج. فحين تستقيل عمدة العاصمة وعدد من كبار المنتخبين دفعة واحدة، يصعب إقناع الرأي العام بأن الأمور تسير بشكل طبيعي وأن كل شيء على ما يرام.

المواطن الرباطي بدوره يتابع المشهد بكثير من السخرية. فبعد سنوات من الوعود والشعارات والبرامج التنموية، يجد نفسه أمام منتخبين يكتشفون فجأة أن الظروف لم تعد تسمح لهم بأداء الأمانة السياسية. وكأن هذه الظروف لم تكن موجودة طوال السنوات الماضية، بل هبطت عليهم فجأة مع إعلان اللوائح الانتخابية.

في النهاية، لا أحد يعرف بدقة ما الذي وقع داخل بيت الأحرار بالرباط، لكن المؤكد أن الاستقالات الجماعية ليست مجرد خبر عابر. إنها رسالة سياسية ثقيلة، عنوانها أن شيئاً ما يتصدع داخل الجدران التي كانت تبدو صلبة.

أما الناخب المغربي، فقد أصبح خبيراً في قراءة المشهد. فهو يعرف جيداً أن السياسيين لا يغادرون السفن عادة بسبب سوء الأحوال الجوية، بل عندما يشعرون أن وجهة الرحلة لم تعد تناسب مصالحهم.

ويبقى السؤال الذي يتردد في المقاهي وعلى مواقع التواصل: هل نحن أمام اعتزال سياسي حقيقي؟ أم أمام عملية “إعادة تموقع” موسمية استعداداً لانتخابات 2026؟

الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة… أما حالياً، فيبدو أن سفينة الأحرار بالرباط فقدت عدداً مهماً من ركاب الدرجة الأولى، فيما يتساءل الباقون: من سيكون التالي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى