يبدو أن الأمين العام لـ نزار بركة قرر أخيراً أن يكتشف المغرب الذي كان يعيش فيه المغاربة طوال السنوات الماضية، لا المغرب الذي كانت الحكومة تراه من نوافذ السيارات الرسمية المكيفة. الرجل خرج علينا بوعد انتخابي ثقيل: “إحداث شركات وطنية لتوزيع المواد الأساسية للقضاء على المضاربة والفراقشية”. وكأننا أمام معارض شرس للحكومة، أو زعيم نقابي مطرود من جحيم الأسعار، لا أحد أبرز أركان الأغلبية التي كانت تمسك بمقود التدبير منذ خمس سنوات كاملة.
السؤال الذي يطرحه المغاربة اليوم ليس: هل الفكرة جيدة أم لا؟ بل: أين كان السيد الوزير عندما كانت الأسعار تشتعل كحريق غابة في عز الصيف؟ أين كان عندما تحولت القدرة الشرائية إلى جثة سياسية مجهولة الهوية؟ أين كان عندما صار المواطن المغربي يدخل السوق كمن يدخل إلى كازينو، لا يعرف هل سيخرج بكيلو طماطم أم بقرض استهلاكي؟
الغريب أن الخطاب يُقدَّم اليوم وكأن “الفراقشية” نزلوا فجأة من كوكب آخر قبل الانتخابات بشهرين فقط، بينما الحقيقة أن هؤلاء تضخموا داخل مناخ اقتصادي وسياسي صنعته نفس الحكومة التي يشارك فيها حزب الاستقلال بكل فخر وحقائب وامتيازات. فمن الذي ترك سلاسل التوزيع في يد الوسطاء؟ ومن الذي راقب الأسواق بالنوم العميق؟ ومن الذي اكتفى بالبلاغات والاجتماعات والصور التذكارية بينما الأسعار كانت تصفع المواطنين صباح مساء؟
المشهد صار كوميدياً إلى درجة العبث. وزراء يصنعون الأزمة نهاراً، ثم يتحولون ليلاً إلى معارضين يصرخون ضدها. كأن الحكومة المغربية ليست حكومة، بل جمعية خيرية تكتشف المشاكل عبر التلفاز مثل باقي المواطنين.
ثم إن الحديث عن “شركات وطنية” يبدو جميلاً في الخطب، لكن المغاربة تعلموا أن يقرأوا ما وراء البلاغات. لأن الحكومة التي عجزت عن كبح المضاربة في الخضر والمحروقات، يُراد إقناع الناس فجأة بأنها ستبني إمبراطورية توزيع وطنية تحارب الاحتكار! جميل جداً… لكن هل سيُحاربون أنفسهم أولاً أم سيتركون الأشباح التي كانت تدبر المرحلة خلال السنوات الماضية تواصل العمل من وراء الستار؟
المواطن المغربي لم يعد يطلب المعجزات. فقط يريد تفسيراً بسيطاً: إذا كانت هذه الحلول موجودة في جيبكم، فلماذا لم تستعملوها عندما كنتم في السلطة؟ أم أن الحلول مثل “الكسكس الانتخابي” لا تُطهى إلا عند اقتراب موسم الأصوات؟
والأطرف في كل هذا أن بعض السياسيين يتحدثون اليوم عن المضاربين وكأنهم عصابات سرية خارجة عن القانون، بينما الجميع يعرف أن الاقتصاد الريعي في المغرب لا يعيش في الغابات، بل يتحرك أحياناً داخل مكاتب مكيفة، ويكبر تحت حماية الصمت السياسي، وتغذيه القرارات المرتبكة، والرقابة الغائبة، والتواطؤ المصلحي.
المغاربة لا يحتاجون خطابات جديدة بقدر ما يحتاجون ذاكرة قوية. لأن أخطر ما يراهن عليه بعض السياسيين ليس إقناع الناس، بل إصابتهم بفقدان الذاكرة الجماعي. يرفعون شعارات “محاربة الغلاء” بعد أن شاركوا في صناعة شروطه، ويتحدثون عن إنقاذ القدرة الشرائية بعد أن تُرك المواطن وحيداً يواجه طاحونة الأسعار.
في النهاية، يبدو أن الحملة الانتخابية المقبلة ستكون موسماً وطنياً لإعادة تدوير الوعود القديمة في علب جديدة. أما المواطن، فقد صار يعرف أن بعض السياسيين لا يكتشفون معاناة الشعب إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع، وكأن الغلاء نفسه يدخل في عطلة رسمية مباشرة بعد الانتخابات.
نزار بركة واكتشاف “المضاربة” بعد خمس سنوات من النوم الحكومي

