Site icon جريدة صفرو بريس

من “مهبول أنا وغادي فلوتوروت” إلى سفير الزليج بأثينا.. الحسن السعدي واكتشافه المفاجئ للأطفال!

يبدو أن الحسن السعدي اكتشف أخيراً أن الأطفال كائنات تستحق الثقافة والفن والتربية على الجمال… لكن بشرط صغير: أن يكونوا أطفال اليونان، لا أطفال المغرب.
الرجل كتب بكل فخر عن استقباله لفوج من الأطفال اليونانيين ضمن فعاليات الأسبوع الوطني للصناعة التقليدية بأثينا، وحدثنا بحماس عن الزليج المغربي، والنحاس، والخزف، والهوية المغربية العريقة، وكيف انبهر الأطفال اليونانيون بالحرف التقليدية المغربية، وخرجوا بانطباعات جميلة عن التراث المغربي.
جميل جداً.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه وسط كل هذا الدفء الثقافي:
وماذا عن أطفال المغرب يا سعادة المسؤول؟
هل تذكر السيد السعدي فجأة أن الطفل يحتاج إلى الفن والمعرفة والهوية؟
أم أن الأمر يتعلق فقط بصورة أنيقة في أوروبا، مع أطفال شقر يبتسمون أمام عدسات الكاميرا؟
المفارقة الساخرة أن نفس الرجل ارتبط اسمه في ذاكرة عدد من المغاربة بأغانٍ وشعارات سياسية أقرب إلى “التلواز” منها إلى التربية الفنية أو الثقافية. فبين “مهبول أنا وغادي فلتوروت” وبين الحديث اليوم عن الزليج والهوية الحضارية، يبدو أننا أمام تحول فلسفي عميق: من تسطيح الذوق إلى اكتشاف التراث فجأة… ولكن خارج المغرب.
المغاربة لا يعارضون الترويج للصناعة التقليدية المغربية في الخارج، بالعكس، فهذا أمر إيجابي ويستحق التشجيع. لكن السخرية تبدأ حين يصبح المسؤول أكثر حماساً لتثقيف أطفال أوروبا، بينما أطفال المغرب أنفسهم يعيش كثير منهم بعيدين عن أبسط شروط الثقافة والفن والمدرسة الجيدة.
في عدد من المدارس المغربية، لا وجود لورشات الزليج، ولا للموسيقى، ولا للمسرح، ولا حتى لمراحيض تحفظ كرامة التلاميذ. هناك أطفال يقطعون الكيلومترات للوصول إلى القسم، وآخرون يدرسون في حجرات متشققة، وبعضهم لا يعرف عن الصناعة التقليدية سوى أنها صور في كتب مهترئة.
لكن في أثينا، فجأة يصبح الطفل محور الحضارة، والزليج رسالة إنسانية، والتراث جسراً بين الشعوب!
ثم إن السؤال الثقافي الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كان أطفال اليونان أحبوا الزليج المغربي، بل أيضاً:
هل يعرف المسؤولون المغاربة شيئاً عن ثقافة هؤلاء الأطفال أنفسهم؟
هل قرأوا عن تاريخ اليونان وفلسفتها وحضارتها؟
أم أن الأمر مجرد رحلة بروتوكولية لالتقاط الصور وتوزيع الابتسامات تحت شعار “شوفو المغرب كيف داير”؟
المثير أن بعض السياسيين عندنا يتحدثون عن “القوة الناعمة” و”الإشعاع الحضاري” بينما يفشلون في جعل الطفل المغربي نفسه يشعر بالانتماء إلى هذه الحضارة. كيف سنقنع أطفال العالم بعظمة تراثنا إذا كان أبناء هذا التراث أنفسهم محرومين من اكتشافه؟
الطفل المغربي لا يحتاج فقط إلى خطابات عن الهوية، بل إلى مكتبات، ومسارح، ومتاحف مدرسية، وورشات فن، ومدارس تحترم ذكاءه. يحتاج إلى مسؤولين يرونه إنساناً لا مجرد رقم انتخابي يظهر كل خمس سنوات.
أما صور المسؤولين مع أطفال أوروبا، فهي جميلة طبعاً.
لكن الأجمل منها أن نرى مسؤولاً يجلس في قرية مغربية نائية، يشرح لأطفال المغرب معنى الزليج، بدل أن يكتفي بشرح ذلك لأطفال اليونان تحت أضواء الكاميرات.
لأن الوطنية ليست فقط تصدير صورة جميلة إلى الخارج،
بل أيضاً الاعتناء بمن يعيشون داخل الصورة نفسها.

Exit mobile version