Site icon جريدة صفرو بريس

من منطق الإغاثة إلى منطق الكرامة: المغرب يدعو لإعادة تعريف سياسة اللجوء في منطقة “مينا”


في لحظة دولية تتسم بتراكم الأزمات وتداخلها، لم يعد ملف اللاجئين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يحتمل نفس المقاربات التقليدية التي ظلت لعقود قائمة على منطق الإغاثة المؤقتة. هذا ما أكده السفير المغربي عمر زنيبر، الذي دعا من جنيف إلى مراجعة جذرية لكيفية التعامل مع أوضاع ملايين اللاجئين، عبر الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الحل.
المداخلة المغربية، خلال أشغال اللجنة الدائمة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، جاءت لتضع الأصبع على جوهر الاختلال: استمرار التعاطي مع اللجوء كحالة طارئة، رغم تحوله في الواقع إلى وضع دائم يمتد لسنوات، بل لأجيال. فمخيمات اللجوء، التي كان يفترض أن تكون مرحلة عابرة، تحولت في عدد من الحالات إلى فضاءات مغلقة تعيد إنتاج الهشاشة وتُكرّس التبعية.
من هذا المنطلق، شدد زنيبر على أن الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تُختزل في سلال غذائية أو مساعدات ظرفية، بل تقتضي تمكين اللاجئين من أدوات الاستقلال: التعليم، الشغل، والاندماج داخل النسيج الاقتصادي والاجتماعي. فالمطلوب اليوم، حسب الرؤية المغربية، هو الانتقال من “سياسات الإبقاء على قيد الحياة” إلى “سياسات إعادة بناء الحياة”.
وفي تشخيصه للوضع الإقليمي، لم يغفل الدبلوماسي المغربي تعقيد السياق العام، حيث تتقاطع أزمات ممتدة في غزة وسوريا والسودان، مع تداعيات جيوسياسية تضغط على دول المنطقة وتُفاقم من هشاشة الفئات النازحة. غير أن هذا التعقيد، في نظره، لا يبرر الجمود، بل يفرض ابتكار حلول أكثر جرأة واستدامة.
وفي بعد آخر لا يقل حساسية، حذر زنيبر من الانزلاقات السياسية التي قد تطال ملف اللاجئين، خاصة حين يتم توظيفه لخدمة أجندات ضيقة، بعيدا عن الاعتبارات الإنسانية. هنا، يبرز مطلب الشفافية، لا سيما فيما يتعلق بتسجيل السكان داخل المخيمات، كمدخل أساسي لضمان حقوقهم ومنع استغلالهم.
وفي هذا السياق، أعاد التذكير بوضعية مخيمات تندوف، التي تظل، وفق الطرح المغربي، نموذجا لإشكالية اللجوء المزمن المرتبط بتعقيدات سياسية. إذ يعتبر المغرب أن تسجيل سكان هذه المخيمات ليس مجرد إجراء إداري، بل خطوة ضرورية لتأمين الحماية القانونية والإنسانية لهم، ووضع حد لحالة الغموض التي تحيط بوضعهم.
كما استحضر زنيبر البعد الوطني في المقاربة المغربية، من خلال الإشارة إلى دعوة الملك محمد السادس لسكان هذه المخيمات إلى الانخراط في مسار العودة الطوعية، والمساهمة في دينامية التنمية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، في إطار مشروع الحكم الذاتي. وهي دعوة، بحسبه، تفتح أفقا بديلا يقوم على الإدماج بدل الانتظار، وعلى الكرامة بدل التبعية.
وفي ختام مداخلته، رسم السفير المغربي ملامح تصور استراتيجي يتجاوز الحلول الترقيعية، مؤكدا أن الإدماج ليس فقط التزاما أخلاقيا، بل خيارا سياسيا وتنمويا. فالمغرب، الذي راكم تجربة في هذا المجال، يراهن على سياسات عمومية تتيح للاجئين الولوج إلى الخدمات الأساسية وسوق الشغل، بما يعزز اندماجهم ويقلص من حالات النزوح المطول في أفق السنوات المقبلة.
بين الإغاثة والتمكين، يبدو أن الرهان اليوم لم يعد فقط في إطعام اللاجئ، بل في إعادة الاعتبار لإنسانيته، ومنحه فرصة أن يكون فاعلا في مجتمعه، لا مجرد رقم في تقارير المنظمات الدولية.

Exit mobile version