من «سمن على عسل» إلى « تبادل الإتهامات».. حين يتحول الحليف الحكومي إلى خصم انتخابي

يا لها من سرعة في تبدل الطقس السياسي! بالأمس كان التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة يجلسان حول مائدة الحكومة وكأنهما في حفل عشاء عائلي، يتقاسمان الأدوار والابتسامات والبيانات، واليوم صار أحدهما ينظر إلى الآخر بعين الريبة، ويتحدث عن «الاستمالات» و«الضغوط» وتهديد قواعد المنافسة الديمقراطية.
باختصار، كانا «سمن على عسل» داخل الحكومة، فإذا بالعسل نفسه يبدو أنه انتهت صلاحيته مع اقتراب الانتخابات!
فالأغلبية الحكومية التي كانت تقدم نفسها باعتبارها فريقا منسجما ومتضامنا، يبدو أنها اكتشفت فجأة أن الانسجام شيء، والانتخابات شيء آخر. ففي الحكومة يمكن للجميع أن يتحدث عن التضامن، أما عندما تقترب صناديق الاقتراع، فتبدأ عملية حساب أخرى: من له المرشح؟ ومن له المنتخب؟ ومن يستطيع أن يقنع هذا المستشار أو ذاك البرلماني بأن مستقبله السياسي يوجد في الضفة الأخرى؟
وهنا بالضبط تبدأ «الرومانسية الحكومية» في الانتهاء.
التجمع الوطني للأحرار خرج ليقول إن الأصالة والمعاصرة يمارس ضغوطا واستمالات على عدد من منتخبيه وبرلمانييه ومسؤوليه، وأن الأمر لم يعد مجرد انتقال سياسي عادي، بل أصبح ـ حسب رواية الحزب ـ مسألة تهدد قواعد المنافسة الديمقراطية.
يا سلام!
لكن المواطن البسيط قد يسأل سؤالا بريئا جدا: إذا كان انتقال المنتخبين بين الأحزاب أصبح اليوم خطرا على الديمقراطية، فماذا كان اسمه بالأمس عندما كانت الأحزاب نفسها تتسابق إلى استقطاب الوجوه والأسماء وتقديمها باعتبارها «كفاءات» و«طاقات جديدة»؟
هل كان ذلك وقتها تجديدا للنخب السياسية، وأصبح اليوم استمالة وضغطا لأن الاتجاه تغير؟
المشكلة أن السياسيين عندنا كثيرا ما يتعاملون مع «الانتقال» بمنطق يشبه كرة القدم: عندما يترك اللاعب فريقك يصبح خائنا، وعندما يأتي إليك يصبح صفقة ناجحة وتعزيزا نوعيا للفريق!
وفي هذه القصة بالذات، يبدو أن موسم الانتقالات السياسية قد بدأ مبكرا، وأن بعض المنتخبين أصبحوا مثل اللاعبين في سوق الانتقالات الصيفية: الصحافة تتحدث عن انتقال، والحزب ينفي، والحزب الآخر يلمح، والمرشح ينتظر، والمواطن يتفرج، وفي النهاية قد يجد نفسه أمام نفس الوجوه لكن بقميص حزبي مختلف.
الأكثر إثارة للسخرية أن الأحزاب المتحالفة حكوميا مطالبة في الوقت نفسه بأن تتنافس انتخابيا، أي أن عليها أن تكون «معا» داخل الحكومة و«ضد بعضها» في الانتخابات.
وهذه ليست معادلة سهلة.
كيف تشرح للمواطن أن الحزبين متفقان في الحكومة، لكنهما يختلفان في الانتخابات؟ كيف يمكن أن يكونا شريكين في تدبير الشأن العام، ثم يتحولا في الحملة الانتخابية إلى خصمين يتنافسان على نفس الأصوات ونفس الدوائر ونفس المنتخبين؟
إنها السياسة المغربية في نسختها الجديدة: نحن إخوة في الحكومة، منافسون في الانتخابات، وأصدقاء ما دام الجميع يحترم قواعد اللعبة!
لكن عندما يبدأ أحدهم في أخذ مرشحي الآخر، تختفي الأخوة فجأة، ويظهر قاموس «النزاهة» و«الأعراف» و«تكافؤ الفرص» و«استقلالية الأحزاب».
والحال أن الانتخابات المقبلة يبدو أنها ستختبر ليس فقط شعبية الأحزاب لدى المواطنين، وإنما أيضا قدرتها على الاحتفاظ برجالها ونسائها قبل أن تصل صناديق الاقتراع.
أما المواطن، فربما لا يهتم كثيرا بمن استمال من، ومن ضغط على من، ومن انتقل من هذا الحزب إلى ذاك. ما يهمه هو سؤال أبسط بكثير: ماذا قدم هؤلاء جميعا عندما كانوا «سمن على عسل» في الحكومة؟
فالناخب لا يملك في النهاية إلا ورقة واحدة، ولن يكون مضطرا إلى تتبع خريطة الانتقالات الحزبية ولا مفاوضات الكواليس ولا صفقات التزكيات.
قد يكون السياسيون منشغلين بمن سرق من الآخر مرشحا، لكن المواطن قد يكون منشغلا بمن سرق من عمره أربع سنوات أخرى من الوعود!
وفي النهاية، يمكن للأحرار والأصالة والمعاصرة أن يتبادلا البيانات والاتهامات، وأن يتحدث كل طرف عن النزاهة والديمقراطية وتكافؤ الفرص، لكن هناك طرفا ثالثا سيجلس بهدوء يوم الاقتراع: الناخب.
وهذا الناخب وحده يملك «حق الانتقال» الحقيقي: يمكنه أن ينتقل من حزب إلى آخر، ومن مرشح إلى آخر، ومن وعد إلى آخر، بل ويمكنه ببساطة أن يقول للجميع: شكرا، لقد عرفناكم عندما كنتم «سمن على عسل»!
فالانتخابات ليست سوقا للمرشحين، ولا مسابقة في من يستطيع خطف أكبر عدد من المنتخبين، وإنما يفترض أن تكون مناسبة ليختار المواطن من يراه أقدر على تمثيله.
أما إذا تحولت المعركة إلى صراع على الأشخاص، فربما يكون السؤال الحقيقي الذي يستحق أن يطرح هو: هل يتنافس الحزبان على خدمة المواطن، أم يتنافسان فقط على من يمتلك مفاتيح الخريطة الانتخابية؟
وبين «سمن على عسل» و«استمالات وضغوط»، يبقى العسل هو الشيء الوحيد الذي اختفى من المشهد… أما الانتخابات، فستكشف من بقي ومن غادر ومن كان ينتظر فقط أن يجد كرسيا أكثر دفئا!




