كان هناك زمن غير بعيد كانت فيه بعض الأصوات السياسية تتصرف وكأنها تملك وكالة حصرية للوطنية. كل من انتقد الحكومة كان مشبوهاً، وكل من عارض قراراً رسمياً كان متهماً بخدمة أجندات غامضة، وكل من رفع صوته ضد السياسات العمومية وجد نفسه، فجأة، متهماً بالعمالة للخارج أو بالاشتغال ضد مصلحة الوطن.
كانت الوطنية توزع بالجملة والتقسيط، أما تهمة العمالة فكانت جاهزة أكثر من بيانات الطقس.
لكن السياسة، مثلها مثل الحياة، مليئة بالمفاجآت. فجأة اختفت التزكية، ووجد بعض محترفي التخوين أنفسهم أمام حقيقة صادمة: الحزب الذي كان يوصف بأنه أعظم اكتشاف سياسي منذ اختراع العجلة قرر البحث عن مرشحين آخرين.
وهنا بدأت المراجعات الكبرى.
المفارقة المضحكة أن الذين كانوا يتهمون المعارضين بالعمالة لمجرد اختلافهم في الرأي، أصبحوا يطالبون اليوم بحق الاختلاف داخل الحزب نفسه. الذين كانوا يعتبرون النقد مؤامرة أصبحوا يطالبون بالإنصات إلى أصواتهم. والذين كانوا يرون المعارضة مجرد مجموعة من المشاغبين، اكتشفوا فجأة أن الاعتراض حق مشروع وأن إبداء الرأي قيمة ديمقراطية نبيلة.
سبحان مبدل الأحوال السياسية.
المواطن المغربي يتابع المشهد بابتسامة واسعة. فهو يتذكر جيداً تلك الأيام التي كان فيها مجرد انتقاد قرار حكومي كافياً لإدخالك في لائحة المشتبه فيهم وطنياً. ويتذكر أيضاً كيف كان بعض المتحمسين يرفعون منسوب التخوين إلى مستويات لم تصلها حتى نشرات الحرب الباردة.
واليوم، بعد أن دارت عجلة السياسة دورة صغيرة فقط، أصبح السؤال مشروعاً: إذا كان كل معارض بالأمس عميلاً، فماذا نسمي الذين اكتشفوا فضائل المعارضة بعد ضياع التزكية؟
ربما كان الدرس الأهم في هذه القصة أن الوطنية ليست بطاقة حزبية تمنحها القيادات لمن تشاء وتسحبها ممن تشاء. وليست أيضاً سلاحاً يوجه ضد المخالفين في الرأي كلما ضاقت الحجة واتسع الغضب.
أما التزكية، فقد أثبتت مرة أخرى أنها ليست مجرد وثيقة انتخابية، بل جهاز سياسي متطور قادر على تحويل بعض المتحدثين من خبراء في التخوين إلى خبراء في التظلم خلال ساعات معدودة.
وهكذا تستمر الحياة السياسية: وجوه تتغير، مواقف تتبدل، أما المواطن فيكتفي بالمشاهدة، لأنه يعرف أن بعض السياسيين لا يكتشفون قيمة المعارضة إلا عندما يصبحون هم أنفسهم في طابور المنتظرين خارج باب التزكية.

