Site icon جريدة صفرو بريس

من التعاون العسكري إلى الشراكة الاستراتيجية.. المغرب والإمارات يرسمان ملامح مرحلة جديدة

لم تعد العلاقات المغربية الإماراتية تقتصر على التنسيق الدبلوماسي أو تبادل الزيارات الرسمية، بل بات التعاون بين الرباط وأبوظبي يتجه بصورة متزايدة نحو بناء شراكة ذات أبعاد استراتيجية متعددة، يظهر الجانب العسكري والدفاعي أحد أبرز تجلياتها.

وفي هذا السياق، احتضنت الرباط، اليوم الثلاثاء، مباحثات جمعت الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، بالفريق الركن عيسى سيف بن عبلان المزروعي، رئيس أركان القوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك على هامش الزيارة الرسمية للوفد العسكري الإماراتي إلى المملكة.

اللقاء لم يكن معزولا عن سياقه، إذ تزامن مع انعقاد الاجتماع الثالث للجنة العسكرية المختلطة المغربية الإماراتية، ومع استعداد مدينة مراكش لاحتضان معرض الطيران 2026، وهو موعد يحول المملكة إلى فضاء يجتمع فيه عدد كبير من الفاعلين في الصناعات الجوية والدفاعية.

وتبرز أهمية هذه المحطة في كون النقاش المغربي الإماراتي لم يعد محصورا في التعاون العسكري التقليدي، وإنما أصبح يشمل ملفات ترتبط بمستقبل القدرات الدفاعية، من الصناعة العسكرية إلى التكوين وتبادل الخبرات وتطوير الإمكانات.

وهذا التحول يعكس طبيعة البيئة الدولية الجديدة، حيث لم تعد القوة العسكرية تقاس فقط بعدد المعدات والأسلحة، بل أصبحت التكنولوجيا والصناعة والبحث والتكوين ونقل الخبرات عناصر أساسية في بناء الاستقلالية الدفاعية.

بالنسبة إلى المغرب، يأتي هذا التعاون في مرحلة تعرف فيها المملكة توسعا تدريجيا في منظومتها الدفاعية والصناعية، مع توجه نحو تطوير قدراتها الوطنية وتعزيز الشراكات الدولية في المجالات المرتبطة بالدفاع والتكنولوجيا.

أما بالنسبة إلى الإمارات، فإن توسيع التعاون مع المملكة يندرج ضمن سياسة بناء شراكات استراتيجية مع دول تمتلك موقعا جغرافيا ومؤسسات دفاعية وخبرة متراكمة في التعامل مع الملفات الأمنية الإقليمية.

وبالتالي، فإن ما يجري بين الرباط وأبوظبي يتجاوز في دلالته اجتماعا عسكريا أو لجنة مشتركة، ليعكس توجها نحو بناء شبكة من المصالح المتبادلة في منطقة تعرف تحولات عميقة.

كما أن اختيار الرباط لاحتضان هذه المباحثات، بالتزامن مع معرض مراكش للطيران، يمنح الحدث بعدا إضافيا، خصوصا أن الصناعات الجوية والدفاعية أصبحت اليوم من أكثر القطاعات ارتباطا بالتنافس التكنولوجي بين القوى الدولية.

وفي ختام أشغال اللجنة العسكرية المختلطة، جاء توشيح رئيس أركان القوات المسلحة الإماراتية بوسام الاستحقاق العسكري من درجة الحمالة الكبرى، الذي أنعم به عليه الملك محمد السادس، ليعكس المستوى الذي بلغته العلاقات العسكرية بين البلدين، وليمنح هذه المحطة بعدا رمزيا يضاف إلى مضمونها المؤسساتي.

ويعود التعاون العسكري المغربي الإماراتي إلى عقود مضت، من خلال اتفاقية سنة 1980، قبل أن يتعزز بإطار جديد سنة 2006. غير أن التطورات الحالية تشير إلى أن طبيعة التعاون نفسها أصبحت أكثر اتساعا وتعقيدا، متأثرة بالتحولات التي يعرفها مفهوم الأمن والدفاع في العالم.

فالمنطقة اليوم تواجه تحديات متشابكة، من التهديدات الأمنية التقليدية إلى الأمن السيبراني وحماية البنى التحتية والتكنولوجيا العسكرية وسلاسل الإمداد والصناعات الدفاعية. ولذلك أصبحت الشراكات بين الدول تقاس أيضا بقدرتها على إنتاج المعرفة والخبرة والتكنولوجيا، وليس فقط بإبرام الاتفاقيات.

ومن هذه الزاوية، فإن التقارب المغربي الإماراتي يكتسب أهمية خاصة، لأنه يجمع بين بلدين ينظران إلى التعاون الاستراتيجي باعتباره وسيلة لتعزيز القدرات الوطنية وتوسيع مجالات الشراكة.

ومع انعقاد اللجنة العسكرية المختلطة، واستعداد مراكش لاستقبال معرض الطيران، تبدو الرسالة الأبرز واضحة: العلاقات المغربية الإماراتية تدخل مرحلة يصبح فيها التعاون الدفاعي جزءا من تصور أوسع لشراكة استراتيجية تقوم على المصالح المشتركة وتبادل الخبرات وتطوير القدرات.

إنها شراكة لا تختصرها صورة اجتماع عسكري في الرباط، ولا مراسم توشيح مسؤول عسكري، وإنما تكشف عن مسار طويل يتجه نحو مزيد من التنسيق في القطاعات التي ستحدد جزءا كبيرا من موازين القوة في المستقبل.

Exit mobile version