صفروغير مصنف

من البراءة إلى «زعيم شبكة النصب».. كيف تحوّل منطوق الحكم القضائي إلى عنوان إدانة بصفرو؟

أثار عنوان صحفي نشرته إحدى الجرائد الإلكترونية بشأن ملف قضائي بمدينة صفرو نقاشاً حول حدود المسؤولية المهنية في صياغة الأخبار القضائية، بعدما تم تقديم المعني بالأمر في العنوان باعتباره «زعيم شبكة النصب»، في الوقت الذي يتضمن فيه الحكم القضائي، وفق المعطيات المنشورة، حكماً بالبراءة من جنحتي النصب والمشاركة فيه.

وهنا تطرح المسألة سؤالاً جوهرياً: من أين جاءت صفة «زعيم شبكة النصب»؟ ومن الذي أثبتها قضائياً؟

فالقاعدة الأساسية في القضايا الجنائية واضحة: المتابعة ليست إدانة، والاتهام ليس ثبوتاً، والبراءة لا يمكن أن تتحول إلى إدانة بفعل عنوان صحفي.

وتزداد حساسية الموضوع عندما يكون الصحفي أو المؤسسة الإعلامية على اطلاع بمضمون الحكم القضائي، بما في ذلك منطوق البراءة، ثم يتم اختيار عنوان قد يوحي للقارئ بأن التهمة ثابتة في حق المعني بالأمر.

المفارقة هنا تكمن في الفارق بين ما قررته المحكمة وما يوحي به العنوان: المحكمة قضت بالبراءة من تهم محددة، بينما العنوان استخدم وصفاً جنائياً قاطعاً قد يفهم منه القارئ أن المعني بالأمر ثبتت مسؤوليته عن جريمة النصب وقيادته لشبكة إجرامية.

ولا يتعلق الأمر فقط بأسلوب تحرير أو اختيار كلمات أكثر إثارة، بل بمسألة ترتبط بجوهر العمل الصحفي: الدقة، والموضوعية، واحترام قرينة البراءة، والتمييز بين الوقائع الثابتة والادعاءات أو الاتهامات.

فالصحافة لها كامل الحق في متابعة القضايا القضائية، ونقل تفاصيلها، وطرح الأسئلة حولها، وانتقاد الأحكام ومناقشتها. لكنها لا تملك سلطة إصدار أحكام جنائية بديلة عن القضاء، ولا ينبغي أن يتحول العنوان إلى وسيلة تمنح وصفاً إدانياً لشخص انتهى القضاء إلى تبرئته من التهمة موضوع النقاش.

إن حق الجمهور في المعرفة لا ينفصل عن حق الأشخاص في ألا تُقدَّم الاتهامات الموجهة إليهم باعتبارها حقائق نهائية، خصوصاً عندما تكون المحكمة قد قالت كلمتها في القضية.

ومن هنا يبرز السؤال الأهم:

هل يعكس العنوان الصحفي مضمون الحكم القضائي بدقة، أم أنه يمنح القارئ انطباعاً مختلفاً عن الحقيقة التي انتهت إليها المحكمة؟

فبين منطوق الحكم القضائي وصياغة العنوان الصحفي مسافة يجب أن تحكمها المسؤولية المهنية، لأن القضاء يصدر الأحكام، والصحافة تنقل الوقائع وتشرحها وتناقشها.

أما عندما يتحول العنوان إلى ما يشبه حكماً بالإدانة، رغم وجود حكم بالبراءة، فإن الأمر يستحق على الأقل نقاشاً مهنياً وقانونياً حول حدود المسؤولية في نقل القضايا القضائية.

السؤال ليس من نؤيد أو من نعارض، وإنما: هل نلتزم بما قاله القضاء، أم نسمح للعنوان بأن يقول شيئاً آخر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى