Site icon جريدة صفرو بريس

من الاستقلال إلى الزيتونة ثم السنبلة.. حين تتحول الانتخابات إلى موسم لتدوير الوجوه

حسم حزب الحركة الشعبية رسميا واحدا من أبرز الانتقالات السياسية بمدينة فاس، بإعلانه التحاق الأمين العام السابق لحزب الاستقلال والعمدة الأسبق للعاصمة العلمية، حميد شباط، وعائلته بصفوف «السنبلة»، إلى جانب البرلماني خالد العجلي، في خطوة تعيد أسماء قديمة إلى واجهة المشهد السياسي المحلي، قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية.

قد يبدو الأمر، في ظاهره، مجرد انتقال سياسي عادي، فالانتماء الحزبي حق لكل سياسي، وتغيير الحزب ليس جريمة ولا مخالفة في حد ذاته. لكن حين تتكرر الظاهرة، وحين تصبح بعض الوجوه السياسية وكأنها تنتقل من حزب إلى آخر كما ينتقل المسافر بين محطات القطار، فمن حق المواطن أن يتساءل: أين هي البرامج؟ وأين هي الأفكار؟ وأين هي مصلحة المدينة؟

في فاس، يبدو أن السياسة دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: تدوير الوجوه بدل تدوير السياسات.

عائلة شباط، التي ارتبط اسمها لسنوات بالمشهد السياسي الفاسي، انتقلت من حزب الاستقلال إلى محطة سياسية أخرى ثم إلى الحركة الشعبية، بينما يظهر خالد العجلي أيضا ضمن هذه التحولات الحزبية. وهكذا يجد المواطن نفسه أمام وجوه يعرفها جيدا، لكنه لا يعرف بالضرورة ما الذي تغير في برامجها أو مواقفها أو رؤيتها للمدينة، سوى لون الحزب وشعار المرحلة.

المشكلة ليست في تغيير الحزب، بل في أن المواطن لم يعد يرى تغييرا حقيقيا في طريقة ممارسة السياسة.

فالأحزاب، بمختلف ألوانها، تتحدث عن خدمة المواطن، وعن التنمية، وعن الدفاع عن مصالح السكان، وعن محاربة الفقر والبطالة وتحسين الخدمات العمومية. لكن عندما تقترب الانتخابات، يختفي الكلام عن البرامج أحيانا، ويبدأ السباق نحو الأسماء التي تمتلك حضورا انتخابيا وقدرة على جلب الأصوات.

وهنا يصبح السؤال المحرج: هل تبحث الأحزاب عن المرشح الذي يستطيع خدمة المواطن، أم عن المرشح الذي يستطيع خدمة الحزب بالفوز بالمقعد؟

فاس ليست في حاجة إلى مزيد من عمليات إعادة تدوير النخب السياسية. فالعاصمة العلمية تحتاج إلى سياسة تخرج من المكاتب والصالونات الانتخابية إلى الأحياء الشعبية، إلى البطالة، إلى الفقر، إلى مشاكل النقل، إلى تدهور بعض الخدمات، وإلى الشباب الذين لا يرون في الانتخابات سوى موسم جديد للوعود.

المواطن الفاسي لا يحتاج إلى سياسي يشرح له كل مرة لماذا انتقل من حزب إلى آخر، بقدر ما يحتاج إلى أن يعرف ماذا فعل السياسي عندما كان في موقع المسؤولية، وماذا سيقدم إذا عاد إليها.

التاريخ السياسي لأي مسؤول يجب ألا يتحول إلى ورقة يتم طيها بمجرد تغيير القميص الحزبي. فالسياسي لا يبدأ من الصفر كلما دخل حزبا جديدا. مواقفه السابقة، قراراته، تحالفاته، وعوده، ونتائج تجربته كلها تبقى جزءا من رصيده أمام المواطن.

وإذا كان تغيير الحزب حقا سياسيا مشروعا، فإن تغيير الحزب لا يعني تغيير الذاكرة الشعبية.

المواطن يتذكر من وعده، ومن خذله، ومن ظهر في الانتخابات ثم اختفى بعدها، ومن تحدث عن التنمية بينما بقيت المشاكل نفسها تتكرر سنة بعد أخرى.

والأخطر من كل ذلك أن يتحول العمل الحزبي إلى مجرد حسابات انتخابية: هذا الاسم لديه قاعدة انتخابية، وهذا قادر على جلب الأصوات، وهذا يمكن أن يضمن مقعدا، وهذا يمكن أن يساعد في تشكيل لائحة قوية.

عندها يصبح المواطن مجرد رقم في معادلة انتخابية، وتصبح البرامج مجرد ديكور انتخابي يختفي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

فاس تستحق أفضل من ذلك.

تستحق أحزابا تتنافس على البرامج لا على الأسماء، وعلى الحلول لا على المقاعد، وعلى خدمة المدينة لا على حجم النفوذ داخلها.

أما أن تتكرر الوجوه نفسها وهي تتنقل بين الأحزاب، ثم تقدم نفسها في كل محطة باعتبارها البديل الجديد، فذلك ليس تجديدا للحياة السياسية، بل إعادة تدوير سياسية بطلاؤها بلون حزبي جديد.

وفي النهاية، يبقى القرار للمواطن.

فهو الذي يملك القلم داخل المعزل الانتخابي، وهو الذي يستطيع أن يسأل كل مرشح: ماذا قدمت عندما كنت في موقع المسؤولية؟ وماذا ستقدم هذه المرة؟ ولماذا انتقلت من حزب إلى آخر؟ وهل تغيرت قناعاتك فعلا، أم تغير فقط الشعار الذي ستخوض به الانتخابات؟

فالانتخابات ليست سوقا لتبادل المقاعد، والسياسة ليست رحلة بين الأحزاب بحثا عن أفضل موقع انتخابي.

فاس لا تحتاج إلى وجوه تتغير شعاراتها، بل إلى سياسة تتغير نتائجها.

Exit mobile version