تضع حكومة فاطمة الزهراء المنصوري الرقمنة والذكاء الاصطناعي ضمن المجالات التي يمكن أن تؤثر في مستقبل الإدارة والاقتصاد والخدمات العمومية خلال الولاية الممتدة من 2026 إلى 2031. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا لأهمية التكنولوجيا في تحسين الإنتاجية وتطوير الخدمات وتوسيع فرص الابتكار، إلى جانب الحاجة إلى حماية المعطيات والبنيات الرقمية وضمان استعمال مسؤول للتقنيات الحديثة.
ويبرز الأمن السيبراني وحماية البيانات باعتبارهما من الركائز الأساسية لأي تحول رقمي واسع. فكلما توسع اعتماد المؤسسات والمقاولات والمواطنين على الخدمات الإلكترونية، ازدادت أهمية تأمين الأنظمة والشبكات وحماية المعلومات من الاختراق أو الاستعمال غير المشروع. ولا يتعلق الأمر فقط بالجوانب التقنية، بل يشمل أيضا تطوير قواعد واضحة لتدبير المخاطر، وتكوين الموارد البشرية، ورفع الوعي بالممارسات الرقمية الآمنة.
وتحتاج هذه المقاربة إلى تعزيز قدرات المؤسسات على اكتشاف التهديدات والاستجابة لها، وتحديث الأنظمة المعلوماتية، ووضع خطط لاستمرارية الخدمات في حالات الطوارئ الرقمية. كما أن حماية البيانات الشخصية تتطلب تحديد صلاحيات الولوج إليها، وضمان تخزينها ومعالجتها وفق القواعد القانونية، وتوفير آليات للتبليغ عن الاختلالات ومعالجتها. ومن شأن تطوير هذه الجوانب أن يعزز الثقة في الخدمات الرقمية ويشجع المواطنين والمقاولات على استخدامها.
وفي هذا السياق، يبرز التوجه نحو وضع إطار وطني للذكاء الاصطناعي الآمن والمسؤول باعتباره خطوة لتنظيم استعمال تقنيات أصبحت تؤثر في قطاعات متعددة، من الإدارة والتعليم والصحة إلى الصناعة والخدمات المالية. فالذكاء الاصطناعي يتيح إمكانات لتحسين تحليل البيانات، وتبسيط بعض الإجراءات، وتطوير حلول مبتكرة، لكنه يطرح في المقابل أسئلة مرتبطة بالخصوصية والدقة والتحيز والمسؤولية عن القرارات الناتجة عن الأنظمة الآلية.
ويحتاج الإطار الوطني المرتقب إلى تحديد المبادئ المنظمة لتطوير هذه التقنيات واستعمالها، وتوضيح مسؤوليات الجهات التي تعتمد عليها، ووضع قواعد لحماية البيانات وضمان الشفافية حيث تقتضي الحاجة. كما أن تطوير الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة يتطلب الاستثمار في البحث العلمي، وتأهيل الكفاءات، وتشجيع التعاون بين الجامعات والمقاولات والمؤسسات العمومية، بما يسمح ببناء حلول تستجيب للحاجيات الوطنية وتراعي الخصوصيات اللغوية والاجتماعية والاقتصادية للمغرب.
وتبرز الشركات الناشئة ضمن هذا التوجه باعتبارها قادرة على تطوير خدمات ومنتجات رقمية جديدة، وفتح مجالات للابتكار وخلق فرص الشغل. ويمكن لدعم هذه المقاولات أن يساهم في توسيع الاقتصاد الرقمي، شريطة توفير بيئة تسمح بالوصول إلى التمويل، وتبسيط إجراءات التأسيس والتوسع، وتسهيل الولوج إلى الأسواق، فضلا عن ربط المبادرات الناشئة بالبحث العلمي وبحاجيات المؤسسات والمقاولات الكبرى.
كما أن نجاح الشركات الناشئة لا يقاس بعدد المشاريع التي يتم إطلاقها فقط، بل بقدرتها على الاستمرار والنمو وتطوير منتجات تنافسية. ولهذا، فإن المواكبة تحتاج إلى توفير حاضنات ومسرعات للأعمال، وتطوير المهارات الإدارية والتقنية، وتيسير المشاركة في الصفقات والخدمات الرقمية، إلى جانب تشجيع الاستثمار في الابتكار. ويمكن لهذا المسار أن يتيح فرصا أمام الشباب لإطلاق مشاريعهم، ويساهم في الاحتفاظ بالكفاءات وجذب الخبرات.
ومن بين الأهداف ذات البعد الاجتماعي والمجالي، توسيع الولوج إلى الإنترنت في المناطق النائية. ويكتسي هذا التوجه أهمية لأن الاتصال بالشبكة أصبح وسيلة للوصول إلى المعلومات والتعلم والخدمات الإدارية والصحية والفرص الاقتصادية. فضعف التغطية الرقمية قد يحد من استفادة السكان من التحول الرقمي، ويعمق الفوارق بين المدن والمناطق القروية أو البعيدة.
ويتطلب توسيع الاتصال تطوير البنيات التحتية، وتحسين جودة الشبكات، ومراعاة الكلفة التي يتحملها المستخدمون، إلى جانب توفير خدمات رقمية سهلة الاستعمال. كما أن ربط المناطق النائية بالإنترنت يحتاج إلى التكامل مع برامج التعليم والتكوين والإدماج الاقتصادي، حتى لا يظل الاتصال مجرد خدمة تقنية دون أثر ملموس في حياة السكان.
وتبرز السيادة الرقمية باعتبارها مفهوما يجمع بين امتلاك القدرات التقنية، وحماية البيانات، وتطوير الكفاءات، وتقوية الإنتاج الوطني في المجال الرقمي. ولا تعني السيادة الرقمية الانعزال عن التكنولوجيا العالمية، بل بناء قدرة على الاختيار والتفاوض والتطوير، وتقليص مواطن الهشاشة في القطاعات الحساسة، مع الاستفادة من الشراكات الدولية ونقل الخبرات.
ويحتاج هذا التوجه إلى الاستثمار في مراكز البيانات والبنيات التحتية الآمنة، وتطوير الكفاءات في البرمجة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وتشجيع البحث والتطوير، فضلا عن وضع قواعد تضمن حماية المعطيات واستمرارية الخدمات. كما أن تعزيز السيادة الرقمية يرتبط بقدرة المؤسسات على استخدام التكنولوجيا لتحسين أدائها، بدل الاكتفاء برقمنة الإجراءات القديمة دون إعادة النظر في طريقة تقديم الخدمات.
وفي الإدارة العمومية، يمكن للتحول الرقمي أن يساعد على تقليص التنقلات والوثائق الورقية، وتسريع معالجة الملفات، وتيسير تتبع الطلبات، شريطة أن تكون الخدمات مترابطة وسهلة الاستخدام. كما ينبغي ألا يؤدي الاعتماد على المنصات الرقمية إلى إقصاء المواطنين الذين لا يتوفرون على الاتصال أو المهارات اللازمة، وهو ما يستدعي الإبقاء على قنوات للمواكبة وتوفير برامج للتثقيف الرقمي.
أما في الاقتصاد، فيمكن للرقمنة أن تحسن إنتاجية المقاولات، وتوسع الأسواق أمام المنتجات والخدمات، وتساعد على تطوير نماذج جديدة للأعمال. لكن الاستفادة من هذه الإمكانات تحتاج إلى تحديث طرق التدبير، وتأهيل العاملين، وتشجيع المقاولات الصغيرة على اعتماد الأدوات الرقمية، حتى لا تظل ثمار التحول محصورة في المؤسسات الكبرى أو القطاعات الأكثر تقدما.
وتجمع هذه الالتزامات بين حماية البنية الرقمية، وتنظيم الذكاء الاصطناعي، وتشجيع الابتكار، وتوسيع الاتصال، وتعزيز السيادة التقنية. وسيكون التحدي خلال السنوات المقبلة هو تحويل هذه العناوين إلى خدمات آمنة ومتاحة، ومقاولات قادرة على النمو، وكفاءات وطنية مؤهلة، وإدارة أكثر نجاعة. وستقاس النتائج بمدى تحسن جودة الخدمات الرقمية، واتساع التغطية، وارتفاع الثقة في حماية البيانات، وقدرة الاقتصاد المغربي على تطوير حلول تكنولوجية تنافسية ومسؤولة.

