يبدو أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اكتشف، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، أن كلمة «الاشتراكية» يمكن أن تبقى في اسم الحزب، بينما تتحول السياسة في الكواليس إلى شيء آخر تماما: من يملك القدرة على تمويل الحملة، ومن يملك الحظوظ في المرور، ومن يستطيع أن يضع يده في الجيب قبل أن يضعها على البرنامج الانتخابي.
فقد فجرت طريقة تدبير إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لتزكيات اللوائح الجهوية المخصصة للنساء، خلافا جديدا داخل الحزب، بعدما أعلنت رجاء البقالي الطاهري، عضو المكتب السياسي والبرلمانية السابقة، استقالتها من جميع مسؤولياتها الحزبية، منتقدة معايير اختيار المرشحات، ومتحدثة عن إقصاء الكفاءات واعتماد «منطق المال».
وهنا تصبح الحكاية أكثر طرافة من أي خطاب انتخابي.
فالحزب الذي حمل لعقود شعارات الدفاع عن الطبقات الشعبية والعدالة الاجتماعية والمساواة، يجد نفسه اليوم أمام سؤال بسيط لكنه محرج: هل أصبحت الشكارة شرطا من شروط المرور إلى البرلمان؟ وهل صار البرنامج الانتخابي يبدأ من كشف الحساب البنكي وينتهي عند صندوق الاقتراع؟
زمان، كان المناضل يحتاج إلى الأفكار والمواقف والقدرة على الإقناع والنضال وسط الناس. أما في زمن السياسة الجديدة، فيبدو أن بعض المعايير أصبحت أكثر بساطة: هل لديك المال؟ هل تستطيع تمويل الحملة؟ هل لديك القدرة على تحمل مصاريف الانتخابات؟ إذا كانت الإجابة نعم، فمرحبا بك في عالم «النضال»… وإذا كانت الإجابة لا، فاحتفظ بمبادئك في البيت، فقد لا تجد لها مقعدا في اللائحة.
المفارقة أن الحديث عن «منطق المال» داخل حزب يحمل اسم الاتحاد الاشتراكي يشبه أن تذهب إلى مطعم نباتي فتجد قائمة الطعام مليئة باللحوم، ثم يطلب منك النادل ألا تسأل كثيرا عن مصدرها.
أما الكفاءات، فتبدو في هذه المعادلة مثل ذلك الضيف الذي يصل إلى الحفل متأخرا، فيجد الكراسي كلها محجوزة.
والأكثر إثارة للسخرية أن الانتخابات يفترض أن تكون منافسة بين البرامج والأفكار والكفاءات، لكن عندما يدخل المال من الباب الكبير، تصبح السياسة أشبه بسوق موسمي: التزكية سلعة، والمرشح مشروع استثماري، والناخب هو صاحب الفاتورة النهائية.
وهنا لا يعود السؤال: من يستطيع تمثيل النساء والدفاع عن قضاياهن؟ بل يصبح السؤال: من يستطيع خوض المعركة الانتخابية بأكبر قدرة مالية؟
إن صح ما ورد في الانتقادات الموجهة إلى طريقة تدبير التزكيات، فنحن أمام مفارقة سياسية تستحق التأمل: حزب يتحدث باسم اليسار، لكنه يجد نفسه متورطا في نقاش حول «الشكارة». حزب يتحدث عن العدالة الاجتماعية، بينما تتهم قيادية سابقة فيه آليات الاختيار بأنها تفتح الباب أمام المال. حزب يفترض أن يرفع راية تكافؤ الفرص، فإذا بالكفاءات نفسها تشكو من الإقصاء.
وهكذا يتحول «يسار المال والأعمال» إلى وصف ساخر لمرحلة أصبح فيها الفرق بين الحزب اليساري والحزب الذي يتغذى على المال الانتخابي أقل وضوحا مما كان عليه في الماضي.
طبعا، لا يعني ذلك أن كل من يملك المال فاسد، ولا أن كل من لا يملك المال صالح، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المال معيارا للترشح، وعندما تصبح الكفاءة مجرد تفصيل ثانوي، وعندما يتحول الحزب من مدرسة لصناعة النخب السياسية إلى مكتب لتدبير لوائح انتخابية بمنطق العرض والطلب.
في النهاية، قد تتغير الشعارات، وتتغير الوجوه، وتتغير اللوائح، لكن هناك شيئا واحدا يبدو أنه لا يتغير: الانتخابات تحتاج إلى المال.
والسؤال الذي سيبقى معلقا في دهاليز الاتحاد الاشتراكي هو: إذا كانت «الشكارة» هي التي تفتح الأبواب، فما الذي بقي من اليسار سوى الاسم المطبوع على اللافتة؟
لعل الحل في الانتخابات المقبلة أن تتم إضافة خانة جديدة إلى السيرة الذاتية للمرشح: المؤهلات السياسية، التجربة النضالية، الكفاءة… ورصيد الشكارة.
أما شعار المرحلة، فيمكن اختصاره في جملة واحدة:
يا مناضل، لا تنس مبادئك… لكن لا تنس الشيك أيضا.

