Site icon جريدة صفرو بريس

مشروع الحافلات البرمائية بالرباط… طموح سياحي يصطدم بواقع التدبير والصفقات العمومية


مرة أخرى، يتعثر مشروع يحمل في طياته الكثير من الرمزية والطموح، بعدما تقرر إلغاء صفقة اقتناء وصيانة حافلتين برمائيتين بمدينة الرباط، كانت تُقدَّر كلفتها بحوالي 23 مليون درهم. مشروعٌ رُوّج له باعتباره نقلة نوعية في العرض السياحي للعاصمة، انتهى إلى رفوف الملفات الملغاة، دون أن يرى النور.
إلغاء طلب العروض، بسبب عدم اجتياز الشركة الوحيدة المتقدمة لمرحلة الانتقاء الإداري والتقني، يطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة إعداد المشروع، وشروط المنافسة، ومدى واقعية دفتر التحملات المعتمد. فحين تنتهي صفقة بهذا الحجم إلى غياب أي عرض مؤهل، فإن الإشكال لا يكون تقنيًا محضًا، بل يتجاوز ذلك إلى عمق التدبير والتخطيط.
المشروع، الذي أشرفت عليه شركة “الرباط الجهة للتنقل”، كان يهدف إلى إدخال نمط نقل سياحي غير مسبوق على المستوى الوطني والإفريقي، عبر حافلات قادرة على التحرك برًا ثم الإبحار في نهر أبي رقراق، في تجربة تجمع بين النقل والترفيه والترويج للتراث العمراني والتاريخي للرباط وسلا. غير أن هذا الطموح الكبير لم يُواكَب، على ما يبدو، بإعداد مؤسساتي محكم يضمن نجاحه.
فكرة الحافلات البرمائية ليست جديدة عالميًا، لكنها تتطلب خبرة تقنية دقيقة، وشروط سلامة صارمة، وبنية قانونية وتنظيمية واضحة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالاستعمال المشترك للطريق والمجال المائي. وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل: هل جرى تكييف المشروع مع السياق المحلي، أم تم استنساخه بشكل تقني دون مراعاة خصوصيات السوق الوطنية؟
كما يعيد هذا التعثر النقاش حول أولويات الاستثمار في المجال السياحي الحضري، وحدود المشاريع “الاستعراضية” التي تُقدَّم في الخطابات الرسمية كرموز للحداثة، لكنها تصطدم لاحقًا بإكراهات التنفيذ، أو بعدم توفر الفاعلين المؤهلين لخوض غمارها بشروط واضحة ومربحة.
ورغم أن إلغاء الصفقة لا يعني بالضرورة دفن المشروع نهائيًا، إلا أنه يكشف مرة أخرى عن فجوة قائمة بين التصور والإنجاز، وبين الرغبة في التميز والقدرة الفعلية على تنزيل مشاريع معقدة بهذا الحجم. فجاذبية المدن لا تُبنى فقط بالأفكار المبتكرة، بل أساسًا بحسن التخطيط، ودقة الاختيار، وربط الطموح بالإمكانات الواقعية.
ويبقى السؤال معلقًا: هل ستتم مراجعة هذا المشروع وإعادة طرحه بشروط أكثر نضجًا وملاءمة، أم سينضم إلى لائحة المبادرات التي وُلدت كبيرة في العناوين، ثم غابت بصمت في دهاليز التدبير العمومي؟

Exit mobile version