في موسم الانتخابات، يصبح السياسي المغربي أشبه ببائع “الخلطات السحرية” في الأسواق الأسبوعية؛ يعدك بالرخاء، ويقسم لك أن المستقبل على بعد أشهر قليلة فقط، ثم يختفي الصوت مباشرة بعد إغلاق الصناديق. ومن بين أكثر الوعود التي علقت في ذاكرة المغاربة، ذلك التصريح الشهير لـ رشيد الطالبي العلمي سنة 2021، حين تحدث بثقة كبيرة عن زيادة قدرها 2500 درهم في دخل المغاربة قبل سنة 2026، مضيفاً بنبرة تحدٍّ: “إذا لم يتحقق ذلك فارموني بالحجارة”.
المغاربة لم ينسوا. لأن المواطن الذي ينتظر زيادة في راتبه أو تحسناً في قدرته الشرائية لا ينسى بسهولة. لكنه اليوم يكتشف أن التصريح دخل مرحلة “إعادة التوضيح”، أو بالأحرى مرحلة “هذا ليس ما قصدته”. فالرجل عاد ليقول إن كلامه كان موجهاً لرجال التعليم وليس لكل المواطنين.
وهنا يبدأ السيرك السياسي الحقيقي: هل أصبح كل المغاربة رجال تعليم؟ هل البائع المتجول أستاذ رياضيات؟ وهل العامل الزراعي أستاذ فلسفة؟ وهل العاطل عن العمل الذي كان يصفق للوعود الانتخابية كان عليه أولاً أن يحمل طبشوراً ليصبح معنياً بالتصريح؟
المشكلة ليست فقط في الوعد، بل في الطريقة التي يتم بها التعامل مع ذاكرة المغاربة، وكأن المواطن لا يسمع، لا يسجل، ولا يحتفظ بالفيديوهات والتصريحات. السياسي عندنا يتحدث بثقة مطلقة قبل الانتخابات، ثم بعد سنوات يبدأ في ممارسة رياضة “القفز التأويلي”، فيتحول الكلام الواضح إلى “سوء فهم”، والجملة المباشرة إلى “اجتهاد إعلامي”.
الغريب أن المغاربة لم يطلبوا معجزات. فقط أرادوا أن تكون الوعود متناسبة مع الواقع. لكن يبدو أن بعض السياسيين يعتبرون الميكروفون مجرد أداة لإنتاج الحماس الانتخابي، لا أداة التزام ومحاسبة. يقولون ما يشاؤون، ثم عندما تصطدم الوعود بجدار الواقع، يبدأ البحث عن مخارج لغوية: “لم أقل”، “تم إخراج الكلام من سياقه”، “كنت أقصد فئة معينة”، أو “الإعلام فهمني خطأ”.
أما عبارة “ارموني بالحجارة”، فقد تحولت اليوم إلى مادة دسمة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي. ليس لأن المغاربة سيحملون الحجارة فعلاً، بل لأنهم اكتشفوا مرة أخرى أن بعض الوعود السياسية عندنا تُستهلك مثل الإعلانات التجارية: كثير من المؤثرات، قليل من الحقيقة.
المفارقة الساخرة أن أسعار كل شيء تقريباً ارتفعت منذ ذلك التصريح: المحروقات، المواد الغذائية، النقل، وحتى أبسط متطلبات العيش. بينما الزيادة الوحيدة التي شعر بها المواطن فعلاً هي الزيادة في الضغط، والديون، وفواتير الحياة اليومية.
وفي النهاية، لا أحد ينتظر من السياسي أن يكون نبياً أو صانع معجزات، لكن على الأقل أن يتحمل مسؤولية كلمته. لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية ليس فقط فشل الوعود، بل تحوّل الكذب إلى مجرد “سوء تفاهم لغوي” يُطلب من الناس ابتلاعه كل مرة باسم التأويل.
مسيلمة الكذاب: “إلا ما تزادش 2500 درهم رجموني بالحجر”

