في وقت لا تزال فيه المناطق الجبلية بالمغرب تواجه تحديات تنموية مركبة، اختار الائتلاف المدني من أجل الجبل (CCM) أن يفتح مسارًا جديدًا في الترافع المدني، قوامه البحث العلمي وإنتاج المعرفة، بعيدًا عن الاكتفاء برفع المطالب أو تشخيص الاختلالات. فقد أعلن الائتلاف عن تأسيس “مرصد الجبل”، في خطوة تروم تحويل المعطيات الميدانية والدراسات الأكاديمية إلى قوة اقتراحية قادرة على التأثير في السياسات العمومية.
وجاء الإعلان عن هذا المشروع خلال لقاء علمي احتضنته مدينة فاس، ضمن مشروع “أموسو” لتعزيز القدرات، تحت شعار “جعل المعرفة والبحث العلمي والأكاديمي في خدمة العدالة والإنصاف للمناطق الجبلية”، بمشاركة نخبة من الأساتذة الجامعيين والباحثين والخبراء والفاعلين المدنيين، الذين ناقشوا سبل بناء آلية علمية دائمة تواكب عمل الائتلاف وتدعمه بالخبرة والمعرفة.
ولا يمثل المرصد مجرد إطار تنظيمي جديد، بل يعكس تحولًا في فلسفة العمل المدني، من الترافع القائم على المطالب العامة إلى ترافع مؤسس على الأدلة والبيانات والدراسات العلمية. فالرهان اليوم لم يعد يقتصر على إبراز حجم التهميش الذي تعانيه المناطق الجبلية، بل يتجه نحو إنتاج معرفة دقيقة حول أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية، بما يتيح مخاطبة صناع القرار بلغة الأرقام والمؤشرات والحقائق.
وسيعتمد المرصد في اشتغاله على شبكة من الراصدين الميدانيين، وخبراء وأكاديميين متخصصين، إلى جانب توظيف نظم المعلومات الجغرافية والبيانات المفتوحة، بما يسمح بتكوين قاعدة معلومات وطنية حول المجالات الجبلية، ورصد التحولات التي تعرفها، وتقييم أثر السياسات العمومية والاستثمارات الموجهة إليها.
ومن بين أبرز الأوراش التي سيعمل عليها المرصد قياس العائد الترابي للثروات المستخرجة من المناطق الجبلية مقارنة بحجم الاستثمارات العمومية التي تستفيد منها، في محاولة لإغناء النقاش العمومي حول العدالة المجالية، والدفع نحو بلورة سياسة وطنية خاصة بالمجالات الجبلية، تقوم على الإنصاف في توزيع الموارد والإمكانات.
كما يعتزم المرصد إصدار تقارير ودراسات مرجعية، من بينها التقرير الوطني للجبل، والبارومتر السنوي، والأطلس الرقمي للمجالات الجبلية، وهي أدوات من شأنها أن توفر قاعدة معرفية للباحثين والمؤسسات والفاعلين المدنيين، وأن تجعل من قضية الجبل موضوعًا حاضرًا في النقاش العمومي وصناعة القرار.
ويؤكد تأسيس “مرصد الجبل” أن المجتمع المدني المغربي بات يتجه أكثر فأكثر نحو بناء مبادرات تعتمد الكفاءة العلمية والشراكة مع الجامعة والخبراء، بما يعزز مصداقية الترافع ويفتح آفاقًا جديدة للدفاع عن حقوق ساكنة المناطق الجبلية، ليس بالشعارات، وإنما بالمعرفة والبحث والدليل العلمي، في أفق تحقيق تنمية أكثر عدالة وتوازنًا بين مختلف المجالات الترابية للمملكة.

