Site icon جريدة صفرو بريس

مدارس خصوصية أم مقاولات لاستنزاف الأساتذة؟

كلما حل فصل الصيف، عاد الجرح نفسه لينزف. آلاف أساتذة التعليم الخصوصي يجدون أنفسهم أمام واقع مرير: سنة كاملة من العمل والضغط، ثم عطلة صيفية بلا أجر، وكأن الأستاذ آلة تُستعمل طوال الموسم ثم تُركن جانبًا إلى حين انطلاق الموسم الموالي.

ولا يتوقف الأمر عند حرمان كثير من الأساتذة من التعويض عن العطلة الصيفية، بل إن عدداً كبيراً منهم يشتغل بأجور هزيلة، تتراوح في العديد من المؤسسات بين 1500 و3000 درهم شهرياً، وهي أجور لا توازي حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، ولا تكفي لمواجهة تكاليف المعيشة المتزايدة. فكيف يمكن الحديث عن جودة التعليم، بينما من يصنعها يكافح من أجل توفير أساسيات الحياة؟

المفارقة أن أصحاب العديد من المدارس الخصوصية لا يترددون في استخلاص رسوم التسجيل وإعادة التسجيل، ورفع واجبات التمدرس، والتباهي بالأرباح، لكن عندما يتعلق الأمر بحقوق الأستاذ، يبدأ الحديث عن “الأزمة” و”الإمكانيات المحدودة”. إنها معادلة عجيبة: الأرباح تُخصخص، أما الخسائر فيُطلب من الأستاذ وحده أن يتحملها.

أي منطق هذا الذي يجعل من رجل التعليم الحلقة الأضعف؟ كيف يُطلب من الأستاذ أن يصنع أجيالًا، وهو نفسه يعيش تحت ضغط الأجر الهزيل، والخوف من نهاية كل موسم دراسي، ومن انقطاع راتبه بمجرد إغلاق أبواب المؤسسة؟

لقد تحول جزء من قطاع التعليم الخصوصي، عند بعض المستثمرين، إلى مشروع تجاري بحت، يُنظر فيه إلى الأستاذ كوسيلة لزيادة الأرباح، لا كإنسان له كرامة وحقوق. فحين يغيب الاستقرار المهني، وتغيب الحماية الاجتماعية الحقيقية، ويُحرم الأستاذ من أجره خلال العطلة، يصبح الحديث عن “جودة التعليم” مجرد شعار للاستهلاك.

إن من يبخل على الأستاذ بأبسط حقوقه، لا يحق له أن يتحدث عن التميز والجودة. فالمدرسة التي تُهان فيها كرامة المدرس، لن تبني مجتمعًا يحترم العلم.

لقد آن الأوان لوضع حد لكل الممارسات التي تحول الأستاذ إلى عامل موسمي، يُستدعى عند بداية الموسم ويُستغنى عنه عند نهايته. التعليم رسالة، نعم، لكنه أيضًا عمل تحكمه حقوق وواجبات، ولا يجوز أن تتحول الرسالة إلى ذريعة لاستغلال من يحملونها.

كرامة الأستاذ ليست امتيازًا، بل حق. وأي منظومة تعليمية تُبنى على استنزاف المدرسين، وأجورهم الهزيلة، وحرمانهم من أبسط حقوقهم، محكوم عليها بأن تحصد مستقبلًا هشًا، مهما بلغت أرباح أصحابها.

Exit mobile version