أمام البرلمان بالرباط، لم يكن الاعتصام الذي خاضته لجنة الحقيقة والمساءلة في قضية الطفل الراعي محمد بوسليخن، الاثنين 17 غشت 2026، مجرد وقفة احتجاجية عابرة، بل كان تذكيرا بأن هناك ملفا لم ينجح الزمن في دفنه، وأن وراء جثة طفل فقير رحل في ظروف غامضة أسئلة ما تزال تبحث عن أجوبة. وقد شارك والدا الطفل في الاعتصام للمطالبة بكشف ملابسات وفاته وترتيب المسؤوليات، بعد مرور أكثر من 14 شهرا على الواقعة.
محمد لم يكن رقما في محضر، ولا اسما عابرا في خبر إخباري. كان طفلا في الخامسة عشرة من عمره، يعمل راعيا في منطقة جبلية بإقليم ميدلت، قبل أن يعثر عليه جثة هامدة في ظروف أثارت منذ البداية كثيرا من علامات الاستفهام.
في البداية طفت فرضية الانتحار، لكن عائلة الطفل وهيئات حقوقية لم تقتنع بها، وطالبت بتحقيق معمق يكشف كل تفاصيل الواقعة. ثم جاءت تطورات قضائية مهمة عندما أحيل الملف إلى قاضي التحقيق مع المطالبة بإجراء تحقيق ضد مجهول من أجل جناية القتل العمد، وهو تحول لم يكن بسيطا في مسار القضية.
وهنا تحديدا يبدأ السؤال الحارق: إذا كانت فرضية الانتحار هي التفسير النهائي، فلماذا احتاج الملف إلى كل هذه المنعطفات؟ وإذا كانت هناك شبهة قتل تستدعي التحقيق في جناية القتل العمد، فما الذي حدث بالضبط في تلك الساعات التي سبقت العثور على الطفل جثة؟
لا أحد يملك، إلى الآن، الحق في إصدار حكم مسبق أو اتهام شخص بعينه. لكن من حق المجتمع أن يسأل، ومن حق أسرة طفل فقد حياته في ظروف غامضة أن تعرف كيف مات ابنها، ومن حق العدالة أن تصل إلى الحقيقة مهما كانت مؤلمة.
والأكثر إثارة للانتباه أن الملف لم يتوقف عند حدود التحقيق الأولي، بل وصل إلى قرار قضائي باستخراج جثة محمد وإخضاعها لمعاينة وتشريح طبي جديد، في خطوة تؤكد أن القضية لم تكن بالنسبة للقضاء مجرد ملف أغلق وانتهى.
فهل نحن أمام انتحار فعلا؟ أم أمام جريمة قتل جرى تمويه ظروفها؟ أم أن الحقيقة توجد في منطقة ثالثة لم تظهر تفاصيلها بعد؟
هذه الأسئلة ليست اتهامات، لكنها أسئلة مشروعة فرضتها طبيعة الملف وتطوراته.
والسؤال الأخطر: هل تم التعامل مع قضية محمد منذ البداية بالجدية نفسها التي كان يمكن أن تحظى بها القضية لو كان الطفل ابن عائلة نافذة أو ميسورة؟
هذا السؤال قد يكون مؤلما، لكنه ضروري. لأن العدالة الحقيقية لا ينبغي أن تنظر إلى اسم الضحية أو ثروة عائلته أو موقعها الاجتماعي. الطفل الفقير الذي يرعى الأغنام في الجبال يجب أن تكون حياته بالقدر نفسه من القيمة التي تكون بها حياة ابن المسؤول ورجل الأعمال.
محمد كان طفلا، وهذه وحدها يجب أن تكون كافية لكي تتحرك كل مؤسسات الدولة عندما تثار شبهة حول ظروف وفاته.
أما أن يبقى الملف حيا بعد أكثر من عام، وأن يستمر والداه في طرق الأبواب، وأن تخرج لجنة الحقيقة والمساءلة إلى أمام البرلمان مطالبة بكشف الحقيقة، فذلك يعني أن الجرح لم يلتئم، وأن الرواية لم تقنع الجميع.
الحقيقة لا تخاف التحقيق.
وإذا كان محمد قد انتحر فعلا، فليظهر الدليل الذي يضع حدا لكل الشكوك، وليعرف والداه كيف ولماذا انتهت حياة ابنهما. وإذا كان قد قتل، فليتم تحديد القاتل ومن ساعده ومن تستر عليه، إن وجد، وليأخذ كل مسؤول عن الجريمة جزاءه أمام القانون.
أما أسوأ ما يمكن أن يحدث فهو أن يبقى الملف معلقا بين رواية وأخرى، وأن تتحول وفاة طفل إلى قضية تنساها الأيام بينما تبقى أسرته وحدها تحمل ثقل الأسئلة.
إن العدالة لا تعني فقط العثور على الجاني حين تكون هناك جريمة، بل تعني أيضا تبديد الشك، وكشف الحقيقة، ومحاسبة كل من ثبت تقصيره أو تلاعبه أو تستره.
محمد بوسليخن يستحق الحقيقة.
والحقيقة لا ينبغي أن تكون امتيازا للأغنياء، ولا أن تتوقف عند أبواب الفقراء.
من حق والدته أن تعرف كيف مات ابنها.
ومن حق والده أن يعرف من يتحمل المسؤولية.
ومن حق المغاربة أن يعرفوا ماذا حدث لطفل خرج لرعي الأغنام ولم يعد إلى بيته.
أما السؤال الذي سيظل يطارد هذا الملف فهو بسيط وقاس في الوقت نفسه:
أين خيط الحقيقة؟ ومن يملك الشجاعة ليمسك به حتى النهاية؟

