اختار فوزي لقجع، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، الرد على الجدل الذي أثارته تصريحات منسوبة إلى رشيد الطالبي العلمي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، بطريقة تحمل أكثر من دلالة سياسية، بعدما أعاد توظيف العبارة الأكثر إثارة للجدل في التسجيل المتداول، قبل أن يمنحها معنى مختلفاً في سياق حديثه عن تدبير الشأن العام.
وخلال لقاء تواصلي حزبي بمدينة الفقيه بن صالح، اليوم الخميس 27 غشت 2026، قال لقجع: «الإرهابيون الحقيقيون هم من حولوا فرحة عيد الأضحى إلى حالة انشغال وقلق لدى مجموعة من الأسر المغربية».
ظاهرياً، يبدو أن التصريح يتناول موضوعاً اجتماعياً واقتصادياً مرتبطاً بعيد الأضحى وما رافقه من نقاش واسع حول الأسعار والقدرة الشرائية، غير أن توقيته وسياقه السياسي يجعلان العبارة قابلة لقراءة أخرى، خصوصاً أنها جاءت بعد تداول تسجيل صوتي منسوب إلى الطالبي العلمي، تضمن حديثاً عن استعمال «الترهيب» لاستمالة سياسيين نحو حزب الأصالة والمعاصرة.
وهنا تبرز دلالة إعادة لقجع تدوير المصطلح نفسه. فبدل الدخول في سجال مباشر حول مضمون التسجيل أو الرد على ما ورد فيه نقطة بنقطة، نقل القيادي في «الأصالة والمعاصرة» النقاش إلى مساحة سياسية واجتماعية أوسع، محاولاً تحويل مفهوم «الترهيب» من اتهام متداول في سياق الصراع الحزبي إلى توصيف سياسي لمن يعتبر أنهم تسببوا في أزمات أثرت على حياة المواطنين.
هذه الطريقة في الرد تحمل رسالة مزدوجة. فمن جهة، يبدو أن لقجع يتجنب منح التسجيل المتداول قيمة سياسية أكبر عبر الدخول في تفاصيله، خصوصاً أنه منسوب إلى الطالبي العلمي ولم يصدر، في المعطيات المتداولة، ما يكفي للحسم بشكل مستقل في سياقه الكامل. ومن جهة أخرى، يستثمر العبارة نفسها لإعادة توجيه الهجوم نحو ملفات تمس الحياة اليومية للمغاربة.
الأهم في التصريح أن لقجع لم يستخدم لغة دفاعية تقليدية، بل اختار لغة هجومية، من خلال عبارة «الإرهابيون الحقيقيون»، وهي عبارة قوية سياسياً، لأنها تنقل النقاش من خلاف بين حزبين إلى مساءلة سياسية لمن يتحمل مسؤولية تداعيات القرارات العمومية على المواطنين.
وتزداد أهمية هذا الخطاب مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، حيث تتحول كل كلمة صادرة عن القيادات الحزبية إلى جزء من معركة أوسع حول الصورة الانتخابية للأحزاب وقدرتها على إقناع الناخبين.
فالانتخابات المقبلة لا تبدو مجرد منافسة حول البرامج الانتخابية، بل بدأت تتخذ أيضاً شكل مواجهة حول المسؤولية السياسية والحصيلة والقدرة على التواصل مع المواطنين. وفي هذا السياق، يصبح السجال بين قيادات الأحزاب مؤشراً على طبيعة الخطاب الذي قد يهيمن على الأسابيع المتبقية قبل الاقتراع.
كما أن خلفية التصريحات المتبادلة تكشف عن حساسية متزايدة داخل المشهد الحزبي، حيث لم تعد المنافسة مقتصرة على مهاجمة الخصوم السياسيين، بل أصبحت تتعلق أيضاً بمحاولة تحديد من يملك حق تقديم نفسه باعتباره المدافع عن مصالح المواطنين.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تصريح لقجع باعتباره محاولة لقلب زاوية النقاش: فبدل أن يكون السؤال هو من يستعمل الترهيب لاستمالة السياسيين، يصبح السؤال، وفق منطقه الخطابي، من تسبب في القلق والانشغال لدى الأسر المغربية، ومن يتحمل مسؤولية ذلك سياسياً.
لكن هذا الأسلوب يحمل في المقابل مخاطرة سياسية، لأن استعمال تعبيرات شديدة اللهجة قد يزيد من حدة الاستقطاب، خصوصاً في مرحلة انتخابية يفترض أن تكون فيها المنافسة قائمة أساساً على البرامج والحصيلة والحلول المقترحة للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية.
وبين تصريح منسوب إلى الطالبي العلمي ورد لقجع عليه بطريقة غير مباشرة، يبدو أن الخلاف يتجاوز حدود العبارات المتبادلة، ليعكس تنافساً أوسع بين حزبين يسعيان إلى تعزيز حضورهما داخل الخريطة السياسية المقبلة.
وفي نهاية المطاف، فإن القيمة السياسية لهذه التصريحات لن تحددها حدة العبارات وحدها، بل ما إذا كانت ستتحول إلى نقاش حقيقي حول الحصيلة والبرامج والمسؤوليات، أم ستبقى مجرد جولة جديدة في حرب التصريحات التي عادة ما تشتد كلما اقترب موعد الانتخابات.
وبين «الترهيب» و«الإرهابيين الحقيقيين»، تبدو الرسالة الأوضح أن لغة المواجهة بدأت تفرض نفسها بقوة على الخطاب الحزبي، وأن الأسابيع المقبلة قد تحمل مزيداً من السجالات السياسية، خصوصاً مع اقتراب موعد الحسم الانتخابي.

