في إسبانيا، قررت الحكومة أن تلعب دور “المواطن الصالح”، فأعلنت خطة بـ5 مليارات يورو لتخفيف الضغط عن الناس، خفضت فيها الضرائب على الوقود والكهرباء والغاز… لأن المواطن هناك، على ما يبدو، ليس كائنا أسطوريا يتحمل كل شيء دون أن يشتكي.
وفي إيطاليا، لم يترددوا كثيرا: مرسوم استعجالي لتخفيض الضرائب على المحروقات. لا فلسفة زائدة، لا خطابات عن “الظرفية الدولية المعقدة”، ولا دروس في الصبر الاستراتيجي… فقط قرار واضح: الأسعار ارتفعت، إذن الدولة تتدخل.
أما عندنا في المغرب… فالقصة مختلفة تماما. هنا، حين ترتفع الأسعار عالميا، ترتفع معها التبريرات، ويطلب منك أن تتحمل، أن تصبر، أن “تفهم”، لأن – ببساطة – حكومتنا الموقرة تعتبر القدرة الشرائية نوعا من الرفاهية الزائدة.
الحرب في الخليج؟ نعم، شماعة جاهزة. السوق الدولية؟ حاضر. تقلبات النفط؟ بطبيعة الحال. لكن السؤال الذي يهرب دائما من الإجابة: لماذا ترتفع الأسعار عندنا بسرعة الصاروخ، ولا تنخفض إلا بسرعة السلحفاة المريضة؟
هنا يدخل بطل القصة العزيز على قلوب المغاربة : عزيز أخنوش. رئيس حكومة… ورجل أعمال في قطاع المحروقات. مزيج نادر، يشبه أن تعين الذئب حارسا لبيت الدجاج، ثم تستغرب اختفاء الدجاج.
في الوقت الذي تبحث فيه الحكومات عن كيفية تخفيف العبء عن المواطنين، يبدو أن السؤال عندنا مختلف: كيف نحافظ على “توازن الأرباح”؟ وكيف نقنع المواطن أن ارتفاع الأسعار قدر إلهي، وليس قرارا اقتصادياً؟ وأن نقنع هذا المواطن المغلوب على أمره أن يكثر من الدعاء على إيران الشيعية لأن بسقوطها ستنخفض الأسعار.
والأجمل من ذلك، أن المواطن المغربي أصبح خبيرا اقتصاديا رغما عنه. يعرف سعر البرميل، ويتابع أخبار الخليج، ويحلل السوق الدولية… ثم يذهب إلى محطة الوقود ليكتشف أن كل هذا “العلم” لا يغير شيئا في الفاتورة.
المفارقة الساخرة أن الخطاب الرسمي يطلب منك التضحية، بينما لا أحد يشرح لك من يضحي فعلا. هل هي الشركات؟ هل هي الحكومة؟ أم فقط جيب المواطن الذي أصبح “صندوق المقاصة الحقيقي”؟
في إسبانيا وإيطاليا، الدولة تتدخل لتخفيف الألم. في المغرب، يبدو أن عزيز قلوبنا يتدخل… لضمان أن الألم موزع بشكل عادل: الجميع يتألم، إلا من لا ينبغي له أن يتألم.
في النهاية، لا يحتاج المواطن المغربي إلى دعم مالي، ولا إلى تخفيض الضرائب… يكفيه فقط جرعة يومية من الخطابات، وبعض الصبر، وقليل من الإيمان بأن “الأمور ستتحسن”… يوما ما، ربما، في نشرة أخبار قادمة.
أما الواقع؟ فهو بسيط جدا:
حين ترتفع الأسعار في العالم… المواطن يؤدي الثمن.
وحين تنخفض… ينتظر… ثم ينتظر… ثم يكتشف أن الانتظار أيضا أصبح مكلفا.
في الخارج دعم… في الداخل دروس في التحمل

