لم تعد المسافة بين خنيفرة والرباط مجرد جغرافيا، بل أصبحت مسافة بين حياة تُطلب بصوت خافت، ومؤسسة تُفترض فيها الحماية لكنها تُستدعى كآخر احتمال. الطفلة فردوس، القادمة من أعالي الأطلس، لم تصل إلى العاصمة كزائرة، بل كجسد صغير يطرق بابًا يُفترض أنه مفتوح دائمًا… باب الصحة.
لكن الباب هذه المرة لم يكن باب علاج، بل باب انتظار. انتظار ثقيل، طويل، ومكلف أكثر من قدرة أسرة بسيطة خرجت من الهامش وهي تحمل ما تبقى من الأمل على أكتاف منهكة.
أمام مقر وزارة الصحة، تتجسد اليوم صورة صادمة: أبٌ يقف إلى جانب طفلته، لا يطلب امتيازًا ولا صدقة، بل يطالب بما يُقال لنا يوميًا إنه “حق دستوري”. غير أن الحقوق، حين تُختبر على الأرض، تتحول في كثير من الأحيان إلى شعارات معلّقة فوق جدران لا تصل إليها صرخة المريض.
ما الذي يعنيه أن يقطع مواطن مئات الكيلومترات من الجبال نحو العاصمة؟
يعني ببساطة أن المستشفى الأقرب فشل، وأن الإحالة فشلت، وأن الزمن الطبي لم يعد يساير الزمن الإنساني. يعني أن منظومة بأكملها تراجعت خطوة إلى الوراء، وتركت الطفلة تواجه مصيرها خارج غرفة العلاج.
الواقعة ليست حادثًا معزولًا، بل صورة مكثفة لوضع ممتد: خصاص في الأطر، ضغط خانق على المستشفيات العمومية، تفاوت جهوي صارخ، وتجهيزات لا تكفي حتى لاحتواء الحالات المستعجلة. وبين هذا كله، تُرفع عناوين “الإصلاح الصحي” كأنها درع لغوي يحمي الواقع من النقد، بينما الواقع نفسه ينهار بصمت.
الأخطر من المرض هو هذا الشعور بأن الوصول إلى العلاج صار رحلة إضافية داخل المرض نفسه. وأن المواطن لم يعد يواجه فقط الداء، بل يواجه أيضًا الطريق إليه.
فردوس ليست رقمًا في تقرير، ولا حالة تُدرج في نشرة إخبارية عابرة. هي اليوم مرآة لأسئلة أكبر من قصتها: من يُحاسَب حين يصبح باب الوزارة محطة انتظار بدل أن يكون خط دفاع أخير؟ وكيف يُقاس “نجاح الإصلاح” إذا كانت الحالات تصل إلى المركز وهي تحمل عجز الأطراف كلها التي يفترض أنها سبقتها؟
في لحظة كهذه، لا يعود الصمت خيارًا بريئًا. لأن كل دقيقة انتظار أمام ذلك الباب قد تعني حياة تُختصر أكثر مما ينبغي. وكل خطاب رسمي لا يمر عبر هذه الصورة، يبقى خطابًا ناقصًا مهما كان بليغًا.
المأساة ليست فقط في ما يحدث لفردوس، بل في احتمال أن يتحول هذا المشهد إلى شيء مألوف: أبٌ وطفلة أمام مؤسسة يفترض أنها تحميهما، بينما هما يطالبان فقط بأن لا تُترك الحياة وحدها في مواجهة البيروقراطية.
هكذا يُختصر المشهد: طفلة من الأطلس، وباب في الرباط، وبينهما وطن كامل يُختبر في أبسط تعريفاته… هل الحق في العلاج حقيقة؟ أم مجرد وعد يُقال حين لا يكون هناك مريض أمام الباب؟
فردوس أمام باب “قِلة الصحة”.. طفلة تُساوم على الحياة في وطن يُعلن الإصلاح ويُسجّل العجز

