في مدينة فاس، لم يعد الحديث عن الفساد مجرد إشاعات عابرة، بل تحول إلى ملف ثقيل يتداوله الشارع بكل تفاصيله، خاصة مع ما يُعرف بـ“مافيا الفايق السوداء”، المرتبطة باسم رشيد الفايق، الذي كان ينتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يتولى رئاسة الحكومة.
المعطيات المتوفرة ترسم صورة لواحد من أخطر الوجوه التي عرفتها المدينة، حيث امتد نفوذه إلى كل شيء تقريباً: البشر، الأرض، والحجر. لم تسلم من سطوته مجالات العقار، ولا المساحات التي يُفترض أنها محمية بحكم رمزيتها، إذ يُقال إنه تم البناء حتى فوق قبور الأموات، في مشهد يلخص حجم التجاوزات التي ارتُكبت.
هذا النفوذ لم يكن عفوياً، بل تأسس—حسب نفس المعطيات—على شبكة منظمة من الأشخاص وُصفت بالخطيرة، تُنفذ التعليمات وتُستعمل كأداة لردع كل من تسول له نفسه الاعتراض. هكذا لم يعد الأمر يتعلق بمجرد فاعل اقتصادي أو منتخب محلي، بل ببنية متكاملة تشتغل بمنطق الهيمنة وفرض الأمر الواقع.
الثروة التي راكمها الفايق، وفق ما يُتداول، لم تكن نتيجة مسار اقتصادي شفاف، بل بُنيت على حساب الفئات الهشة، وعلى حساب أراضٍ وممتلكات شكلت مصدر رزق أو ذاكرة جماعية لساكنة المنطقة. ومع تراكم هذه الثروة، بدأ المسار يأخذ منحى تصاعدياً، أقرب إلى نموذج “التغول”، حيث يتحول المال إلى وسيلة للسيطرة، لا للاستثمار.
الأخطر من ذلك، أن هذا النفوذ—بحسب نفس المعطيات—لم يتوقف عند حدود الاقتصاد، بل امتد إلى دوائر القرار، حيث يُقال إن عدداً من المسؤولين وجدوا أنفسهم تحت قبضته، إما بالصمت أو بالتواطؤ، ما خلق وضعاً غير متوازن اختلطت فيه السلطة بالنفوذ، وغابت فيه المساءلة.
وفي تطور لافت، تشير المعطيات إلى أن غرفة جرائم غسل الأموال فتحت هذا الملف، في خطوة تُفهم على أنها بداية تفكيك خيوط شبكة معقدة، مما يُنذر—بحسب متتبعين—باقتراب سقوط أحد “وحوش” فاس الذين طالما اشتغلوا في الظل.
بهذا المعنى، لا يُقدَّم ملف الفايق كحالة معزولة، بل كنموذج صارخ لمرشحين فاسدين حوّلوا السياسة إلى غطاء، واستعملوا الانتخابات كوسيلة لإضفاء الشرعية على واقع مبني على القوة والمال.
اليوم، ومع تحرك مساطر البحث في قضايا تبييض الأموال والفساد، يعود هذا الاسم إلى الواجهة، ليس فقط كشخص، بل كرمز لمرحلة كاملة من اختلال التوازن بين السلطة والمحاسبة.
فاس، بتاريخها العريق، تجد نفسها أمام سؤال حاسم: هل ما يجري هو بداية نهاية هذه الشبكات، أم أن الأمر مجرد مواجهة عابرة داخل منظومة اعتادت إعادة إنتاج نفسها؟
في انتظار الإجابة، يبقى الثابت الوحيد أن المدينة لم تعد كما كانت، وأن الصمت لم يعد خياراً.
فاس على صفيح ساخن: ملف “مافيا الفايق السوداء” يفضح تغوّل المال والنفوذ

