عندما يتحدث قيادي في العدالة والتنمية عن المال القذر في الانتخابات.. فمن يشتري الديمقراطية؟

حين يخرج قيادي في حزب العدالة والتنمية، وفي لقاء حزبي بمدينة القنيطرة، ليتحدث عن بيع 270 طنا من المخدرات بهدف التأثير في الانتخابات والوصول إلى مواقع السلطة ودخول الحكومة، فإن الأمر لا ينبغي أن يعامل باعتباره مجرد جملة عابرة في موسم انتخابي ساخن. فمصطفى الإبراهيمي ليس مواطنا عاديا يتحدث في مقهى، بل هو عضو في المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، كما يتولى الكتابة الإقليمية للحزب بالقنيطرة، وبالتالي فإن ما يصدر عنه يكتسي وزنا سياسيا أكبر.
وهنا تحديدا يجب أن نخرج من منطق المناوشات الحزبية وندخل إلى السؤال الأخطر: ماذا يعني أن يتحدث مسؤول حزبي وقيادي منتخب عن إمكانية ارتباط تجارة المخدرات بالانتخابات؟
إذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فنحن أمام قضية تتجاوز التنافس بين الأحزاب. نحن أمام احتمال تسلل المال غير المشروع إلى العملية الديمقراطية، أي أن أموالا مصدرها الجريمة يمكن أن تتحول إلى وسيلة للوصول إلى البرلمان والحكومة ومراكز القرار.
وهذا، إن ثبت، ليس فسادا انتخابيا عاديا، بل تهديد مباشر لجوهر الديمقراطية.
فالانتخابات يفترض أن تكون منافسة بين البرامج والأفكار والمرشحين، لا منافسة بين أصحاب الثروات والشبكات والقدرة على ضخ الأموال. المواطن يفترض أن يختار من يقنعه، لا من يستطيع شراء النفوذ حوله.
وإذا كان المواطن البسيط قد يجد نفسه أحيانا أمام إغراء بيع صوته بسبب الفقر والحاجة، فإن الخطر الأكبر يوجد في الطرف الآخر: الطرف الذي يملك المال ويحاول شراء أكبر عدد ممكن من الأصوات والولاءات والخدمات والنفوذ.
هناك فرق هائل بين مواطن يبيع صوته، وبين جهة تريد شراء الانتخابات.
الأول قد يكون ضحية للوضع الاجتماعي، أما الثاني فيسعى إلى تحويل الانتخابات إلى استثمار سياسي، يدفع فيه المال اليوم من أجل تحصيل النفوذ غدا.
والمال غير المشروع، عندما يدخل السياسة، لا يدخلها حبا في الديمقراطية. إنه يبحث عن الحماية والمصالح والتأثير والقدرة على الوصول إلى القرار.
لهذا فإن تصريحات قيادي من العدالة والتنمية حول هذه المسألة تفرض مسؤولية مضاعفة، ليس فقط على مطلقها، وإنما على المؤسسات السياسية والقانونية المعنية بنزاهة الانتخابات.
إذا كان الإبراهيمي يتوفر على معلومات دقيقة وأدلة حول هذه الادعاءات، فالمطلوب أن توضع أمام الجهات المختصة، لا أن تبقى مجرد كلام انتخابي. وإذا لم تكن لديه أدلة، فعليه أن يوضح للرأي العام أساس هذا الكلام، لأن الحديث عن مئات الأطنان من المخدرات وتمويل الانتخابات ليس اتهاما بسيطا يمكن إطلاقه ثم تجاوزه.
وفي الاتجاه المقابل، فإن الأحزاب التي يمكن أن تكون معنية بمثل هذه الاتهامات مطالبة هي الأخرى بتوضيح موقفها، لأن الصمت أمام اتهام بهذه الخطورة لا يساعد على بناء الثقة.
المواطن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب عن نزاهة الانتخابات. يحتاج إلى ضمانات حقيقية.
يحتاج إلى أن يعرف أن المرشح الذي يقف أمامه لا يستعمل أموالا مجهولة المصدر، وأن المنافسة لا تحسمها الولائم والهدايا والوسطاء وشبكات المصالح، وأن أصوات الفقراء لا تتحول إلى سلعة انتخابية، وأن المال الإجرامي لا يستطيع أن يجد طريقا إلى صناديق الاقتراع.
والأخطر من شراء الصوت هو شراء البيئة التي تنتج الصوت.
عندما يتمكن المال من صناعة شبكة من الأشخاص والوسطاء والمؤثرين حول مرشح معين، تصبح عملية شراء الأصوات أكثر تعقيدا من مجرد دفع مبلغ مالي لناخب. عندها يمكن أن يتحول النفوذ الاقتصادي إلى نفوذ انتخابي، ثم يتحول النفوذ الانتخابي إلى نفوذ سياسي، ثم يصبح النفوذ السياسي وسيلة لحماية المصالح الاقتصادية.
وهنا تبدأ الحلقة الأخطر: المال يشتري السياسة، والسياسة تحمي المال.
إذا وصلنا إلى هذه المرحلة، فإن الحديث عن انتخابات نزيهة يصبح مجرد واجهة.
لذلك فإن تصريحات القيادي في حزب العدالة والتنمية يجب أن تكون مناسبة لفتح نقاش جدي حول مصادر تمويل الحملات الانتخابية، وحجم الإنفاق، والرقابة على المال الانتخابي، وآليات منع الأموال غير المشروعة من التأثير في إرادة الناخبين.
لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: من سيفوز في الانتخابات؟
بل يجب أن نسأل أيضا: بأي مال ينافس؟ ومن يمول حملته؟ ومن يقف خلفه؟ وما الذي ينتظره الممول في المقابل؟
لأن الديمقراطية لا تفسد فقط عندما يباع صوت ناخب مقابل المال، بل تفسد بصورة أخطر عندما يستطيع المال شراء طريق كامل نحو السلطة.
وفي النهاية، تبقى القاعدة بسيطة: إذا كانت هناك أدلة على استعمال أموال المخدرات للتأثير في الانتخابات، فيجب أن تتحرك المؤسسات لكشف الحقيقة. وإذا لم تكن هناك أدلة، فيجب ألا تتحول الانتخابات إلى فضاء لإطلاق اتهامات خطيرة بلا سند.
أما أن نتحدث عن 270 طنا من المخدرات مرتبطة، حسب التصريح، بمشروع للسيطرة على الانتخابات والوصول إلى الحكومة، ثم نواصل الحملة وكأن شيئا لم يحدث، فذلك يعني أن أخطر الأسئلة المتعلقة بنزاهة الديمقراطية يمكن أن تضيع وسط الضجيج الانتخابي.
فالانتخابات لا تكون نزيهة فقط عندما نحمي صندوق الاقتراع، وإنما عندما نحميه أيضا من المال الذي يحاول شراء الطريق إليه.




