في السياسة، يمكن للخطاب أن يتمدد، وأن يتلون، وأن يتكيف مع كل موسم. لكن هناك لحظات لا تعترف بالمرونة، لحظات يُطلب فيها موقف واضح: مع من أنت؟ ومع أي سعر ستملأ خزانك السياسي؟
هذا ما حدث حين صوّت حزب الاستقلال ضد مقترح تسقيف أسعار المحروقات، في قرار أعاد فتح النقاش القديم الجديد: أين ينتهي الخطاب الاجتماعي وأين تبدأ حسابات الأغلبية؟
لسنوات، ظل الحزب يقدم نفسه كصوت قريب من المواطنين، يرفع شعارات الدفاع عن القدرة الشرائية، ويتحدث بلغة “ولد الشعب” و”همّ الفئات المتوسطة”. خطاب دافئ، مألوف، ومريح انتخابياً. لكن حين تحولت الشعارات إلى تصويت فعلي داخل البرلمان، لم تعد اللغة وحدها كافية لتغطية الفعل.
هنا بالتحديد وقع الاصطدام.
فالمواطن البسيط لا يتابع تفاصيل البلاغات التوضيحية ولا يستمتع بمفردات “التوازنات الاقتصادية” و”إكراهات السوق العالمية”. المواطن يتعامل مع رقم واحد فقط: ثمن اللتر عند المضخة. وكلما ارتفع الرقم، تقلصت المسافة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي.
المفارقة التي لم تعد تخفى على أحد، أن الحزب حاول أن يجمع بين خطابين في آن واحد: خطاب اجتماعي موجه للشارع، وخطاب مؤسساتي موجه للحكومة. لكن محطة الوقود، كما يبدو، لم تكن واسعة بما يكفي لاحتضان الوجهين معاً.
فعندما وصل وقت الاختيار، لم تعد هناك مساحة للمناورة. إما أن تكون مع تخفيف العبء عن المواطن، أو مع تبرير استمرار الوضع كما هو. أما الوقوف في المنطقة الرمادية، فقد تحول إلى موقف سياسي مكلف أكثر مما كان متوقعاً.
والمثير للسخرية أن البلاغات التوضيحية، بدل أن تطفئ الجدل، زادت من حدته. وكأن المشكلة ليست في القرار، بل في محاولة شرحه بلغة لا تصل إلى جيوب الناس بقدر ما تصل إلى دفاتر الحسابات.
داخل الحزب نفسه، بدأت علامات الاستفهام تظهر: كيف يمكن التوفيق بين إرث سياسي يتحدث عن العدالة الاجتماعية، وواقع حكومي يفرض حسابات مختلفة؟ وكيف يمكن إقناع الناخب بأن الحزب نفسه يمكن أن يكون في نفس الوقت مع المواطن وضد مقترح يراه المواطن في صالحه؟
في النهاية، السياسة ليست فقط فن الممكن، بل أيضاً فن الحفاظ على الحد الأدنى من الاتساق أمام الجمهور. وعندما يختل هذا الاتساق، يصبح كل تصريح لاحق مجرد محاولة متأخرة لشرح ما فهمه الناس بالفعل.
أما المواطن، فقد خرج من هذه الواقعة بخلاصة بسيطة: الخطابات تتغير، البلاغات تُكتب، التبريرات تتعدد… لكن ثمن الوقود في محطة البنزين يبقى أكثر صدقاً من كل ذلك.
وهكذا، حاول الحزب الجمع بين خطاب الفقراء ومصالح الأغلبية… لكن محطة الوقود كانت أضيق من أن تتسع لوجهين.

