في خرجة سياسية لافتة، اختارت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، أن تعيد فتح ملف دعم استيراد الأضاحي، متهمة حزب التجمع الوطني للأحرار بتسريب المعطيات المتعلقة بالدعم لفائدة أشخاص بعينهم، بما مكنهم، بحسب روايتها، من اقتناء المواشي قبل الإعلان الرسمي عن الدعم وإدخالها إلى المغرب بعد الإعلان عنه.
المنصوري، وهي تتحدث عن تجربة تدبير دعم السكن، شددت على أنها دبرت هذا الملف، حسب تعبيرها، بكل شفافية، ولم تمنح صفقات للمقربين منها، قبل أن تميز بين هذا الملف وما جرى في قضية دعم استيراد الأضاحي، معتبرة أن تدبير هذا الدعم لم يكن من مسؤولية حزب الأصالة والمعاصرة، وأن المسؤول المباشر عن الملف هو وزير الفلاحة.
لكن هذا التصريح، بصرف النظر عن صحة الاتهامات التي تضمنها من عدمها، يطرح سؤالا سياسيا أكبر من مجرد تبادل الاتهامات بين مكونات الأغلبية الحكومية.
لماذا الآن؟
إذا كانت المنصوري تتوفر، وهي داخل الحكومة، على معطيات أو مؤشرات تفيد بأن معلومات مرتبطة بالدعم وصلت إلى بعض المستوردين قبل الإعلان عنه، فإن السؤال المشروع هو: لماذا لم تطرح هذه المعطيات في حينها؟ ولماذا لم تتحول إلى موقف سياسي أو مؤسساتي واضح عندما كانت الحكومة تشتغل على الملف؟
فالسياسة لا تقوم فقط على إعلان المواقف عندما تقترب لحظة مغادرة الحكومة أو عندما تبدأ مكونات الأغلبية في إعادة ترتيب أوراقها استعدادا للاستحقاقات الانتخابية. المسؤولية السياسية تعني أيضا أن يتحدث المسؤول في الوقت الذي تكون فيه المعلومة ذات قيمة في حماية المال العام وضمان تكافؤ الفرص، لا فقط عندما يصبح الملف ورقة في السجال السياسي.
وهنا لا يتعلق الأمر بتحميل المنصوري مسؤولية ما نسبته إلى الآخرين، ولا بإدانة أي طرف دون تحقيق أو إثبات، وإنما يتعلق بمبدأ بسيط: المعرفة بالاختلالات المفترضة تفرض مسؤولية في حدود الصلاحيات، والصمت الطويل لا يمحو بالضرورة المسؤولية السياسية والأخلاقية عن طرح الأسئلة في وقتها.
والأهم أن المواطنين لا ينتظرون اليوم مجرد حرب تصريحات بين الأحزاب. ما يريدونه هو معرفة كيف تم تدبير الدعم، ومن استفاد منه، وعلى أي أساس، وهل كانت هناك معلومات غير متاحة بشكل متكافئ لجميع المتدخلين في السوق، ومن المسؤول عن أي اختلالات محتملة إن ثبتت.
فإذا كانت هناك فعلا معلومات تسربت إلى أشخاص قبل الإعلان عن الدعم، فإن المسألة تتجاوز الخلاف الحزبي لتصبح قضية تتعلق بتكافؤ الفرص وحسن تدبير المال العام. وإذا لم تكن هناك أدلة على ذلك، فإن الاتهامات بدورها تحتاج إلى توضيح ومعطيات، لأن الملفات العمومية لا يمكن أن تتحول إلى مجرد روايات متبادلة بين الفاعلين السياسيين.
واللافت في المشهد الحالي أن مكونات كانت بالأمس جزءا من أغلبية حكومية واحدة بدأت تتحدث عن ملفات بعضها البعض، وكأن الستار الذي كان يغطي الخلافات الداخلية بدأ ينكشف تدريجيا.
الأحرار يقولون شيئا، والأصالة والمعاصرة يردون بشيء آخر، وبينهما مواطن يريد أن يعرف الحقيقة كاملة، لا نصف الحقيقة الذي يخدم هذا الحزب أو ذاك.
ومن هنا، فإن انتظار “فضح الأسرار” بين مكونات الحكومة ليس هو الحل. الحل هو أن تتحول هذه الاتهامات إلى أسئلة مؤسساتية واضحة، وأن تقدم الإجابات بالأرقام والوثائق والمساطر، وأن يعرف الرأي العام كيف اتخذت القرارات ومن استفاد منها ولماذا.
لقد بدأت مكونات الأغلبية، على ما يبدو، في كشف ما كان مخفيا داخل الغرف السياسية. لكن إذا كان هذا الانكشاف سيقود إلى الحقيقة، فسيكون مفيدا للحياة السياسية. أما إذا تحول إلى مجرد تصفية حسابات انتخابية، فإن المواطن لن يرى فيه سوى صراع بين شركاء سابقين يحاول كل طرف فيه أن ينقل مسؤولية المرحلة إلى الطرف الآخر.
وفي نهاية المطاف، لا يكفي أن يقول سياسي اليوم: “لم أكن مسؤولا عن هذا الملف”. السؤال الذي سيبقى مطروحا هو: ماذا كنت تعرف؟ ومتى عرفت؟ وماذا فعلت عندما عرفت؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تسبق الانتخابات، لا أن تختفي بعدها.

