ليست أخطر ما في بعض الأنظمة أنها تقمع الحاضر، بل أنها تزرع سمومها في المستقبل. فحين تتحول المدرسة من فضاء للتربية وبناء الإنسان إلى أداة لإعادة إنتاج العداء، نكون أمام أزمة عميقة لا تتعلق بدرس عابر، بل بعقيدة سياسية كاملة تُغرس في عقول الأطفال.
ما تم تداوله مؤخراً من محتوى يُظهر تلقين تلاميذ خطاب كراهية وعداء تجاه المغرب، لا يمكن عزله عن السياق العام الذي يحكم سلوك النظام الجزائري في المنطقة. نحن لسنا أمام “زلة معلمة”، ولا “اجتهاد فردي”، بل أمام منطق متكامل: تحويل العداء الخارجي إلى مادة تربوية، والكراهية إلى هوية بديلة.
في الأنظمة المأزومة، يصبح “العدو” ضرورة نفسية وسياسية. وحين تعجز السلطة عن تقديم مشروع تنموي أو أفق اجتماعي مقنع، تبحث عن خصم دائم لتفسير الفشل، وتبرير الانسداد، وشحن العواطف. وهنا تصبح المدرسة أخطر من الإعلام، لأن ما يُزرع في الطفولة لا يُمحى بسهولة.
تلقين الأطفال أن جارهم عدو، وأن شعباً بأكمله يستحق الكراهية، هو تدمير ممنهج لفكرة الإنسان قبل فكرة الوطن. فالوطنية التي يُروّج لها النظام الجزائري في هذا السياق ليست وطنية بناء، بل وطنية خوف، قائمة على التحريض بدل الثقة، وعلى الشحن بدل التفكير.
الأخطر في هذا النموذج أنه يُفرغ مفاهيم مثل “السيادة” و“الوطنية” من معناها الحقيقي. فحب الوطن لا يحتاج إلى شيطنة الآخر، ولا إلى تحويل الجغرافيا السياسية إلى كراهية إنسانية. الدول الواثقة من نفسها تُعلّم أبناءها التاريخ، لا الأحقاد، وتحصّن هويتهم بالقيم، لا بالأوهام.
ما يحدث هو تسييس للبراءة، واستثمار طويل الأمد في صناعة العداء. والنتيجة أجيال تُدرَّب على الكراهية بدل النقد، وعلى الطاعة بدل الفهم، وعلى العداء بدل الحوار، بما يخدم استمرار منظومة حكم جعلت من الصراع خطاباً دائماً ومن التحريض أداة سياسية.
التاريخ أثبت أن الأنظمة تتغير، والخطابات تسقط، لكن ما يُغرس في الطفولة يبقى طويلاً، وقد يتحول لاحقاً إلى عنف اجتماعي أو قطيعة إقليمية أو صراعات عبثية لا رابح فيها.
إن أخطر أشكال العنف ليس ما يُمارَس بالسلاح، بل ما يُمارَس بالسبورة والكتاب المدرسي حين يُستعملان لتشويه الوعي. وتربية النشء على الكراهية ليست خطأً سياسياً فحسب، بل عار أخلاقي، لأن من يفسد البراءة باسم الوطنية، يدمّر المستقبل وهو يدّعي حمايته.
عقيدة الكراهية في مناهج النظام الجزائري: حين تتحول المدرسة إلى أداة عداء

