عزيز الرباح بين الحياد الانتخابي وأزمة الأحزاب: من يملأ الفراغ السياسي؟

أعاد عزيز الرباح، الوزير السابق والفاعل السياسي السابق في حزب العدالة والتنمية، النقاش حول طبيعة العلاقة بين المواطن والأحزاب السياسية، من خلال حديثه عن مبادرته التي يقول إنها لا تدعم أي حزب في الانتخابات، لكنها تدعو في المقابل إلى التصويت على الأقل الأقل فسادا والأكثر صلاحا.
هذا الموقف يضع مسألة الاختيار الانتخابي في زاوية مختلفة. فبدلا من توجيه الناخب نحو حزب بعينه، ينطلق الخطاب من معيار عام يقوم على اختيار المرشح الذي يراه المواطن أكثر نزاهة وأقل فسادا. غير أن هذا الطرح يفتح بدوره سؤالا أساسيا: كيف يمكن للناخب أن يقيس هذه المعايير بشكل موضوعي، خصوصا في ظل تفاوت المعطيات المتاحة حول المرشحين واللوائح والبرامج؟
المسألة لا تتعلق فقط بمن سيحصل على صوت المواطن، وإنما بكيفية بناء قناعة انتخابية قائمة على المعلومات والبرامج والحصيلة، بدل الاقتصار على الأشخاص أو الشعارات. فحين يصبح معيار الاختيار هو “الأقل فسادا” أو “الأكثر صلاحا”، تبرز الحاجة إلى معايير واضحة تمكن المواطن من التمييز بين الخطاب الانتخابي وبين الممارسة الفعلية.
وفي الجانب الآخر، يطرح الرباح قضية أكثر ارتباطا ببنية الحياة السياسية نفسها، حين يتحدث عن وجود “ماكينة” عملت على إضعاف الأحزاب السياسية، معتبرا أن ذلك لا يخدم المجتمع ولا الدولة.
وبصرف النظر عن الجهة التي يقصدها الرباح بهذه العبارة، فإن الفكرة الأساسية تستحق النقاش: ماذا يحدث عندما تفقد الأحزاب قدرتها على التأطير والاستقطاب وإقناع المواطنين؟
الأحزاب، في النظام الديمقراطي، ليست مجرد أدوات للوصول إلى المؤسسات المنتخبة. فهي يفترض أن تكون فضاءات لتكوين النخب، وتأطير المواطنين، وصياغة البرامج، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات عامة. ولذلك فإن تراجع الثقة فيها لا يعني فقط تراجع عدد المنخرطين أو ضعف حضورها الانتخابي، بل قد يؤدي أيضا إلى اتساع المسافة بين المواطن والمؤسسات السياسية.
لكن مسؤولية هذا الوضع لا يمكن اختزالها في عامل واحد. فضعف الأحزاب يمكن أن يكون نتيجة لتراكم عوامل متعددة، من بينها تغير أنماط المشاركة السياسية، وتراجع الثقة في الوعود الانتخابية، وصعود وسائل التواصل الاجتماعي كفضاء بديل للنقاش السياسي، إضافة إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي غيرت علاقة المواطنين بالعمل الحزبي التقليدي.
ومن جهة أخرى، تتحمل الأحزاب نفسها جزءا من مسؤولية تجديد خطابها وطرق اشتغالها. فالمواطن لا يكتفي اليوم بالانتماء إلى تنظيم سياسي، بل يريد معرفة ماذا سيقدم له هذا التنظيم، وكيف سيحاسب ممثليه، وما الذي يميز برنامجه عن غيره.
وهنا تصبح دعوة الرباح إلى التصويت على “الأقل صلاحا والأقل فسادا” جزءا من نقاش أوسع حول جودة الاختيار الانتخابي، وليس مجرد موقف عابر من هذه الانتخابات. فالمطلوب، في النهاية، أن يتحول التصويت من مجرد اختيار شخص أو لائحة إلى ممارسة واعية تقوم على فحص البرامج والسجل العملي والقدرة على الوفاء بالالتزامات.
وفي الوقت نفسه، فإن انتقاد ضعف الأحزاب لا يعني بالضرورة أن البديل هو تجاوزها. فالرباح نفسه سبق أن أكد، عند تقديم مبادرته “الوطن أولا ودائما”، أنه لا يميل إلى المساهمة في إضعاف الأحزاب، بل يرى أن تقويتها أمر ضروري، معتبرا أن العمل السياسي أوسع من الانتخابات والعمل الحزبي المباشر.
وهنا تكمن المفارقة المهمة: يمكن للمبادرات المدنية والمجتمعية خارج الأحزاب أن تساهم في النقاش العام، وأن تقدم أفكارا وتقييما للسياسات العمومية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحل محل المؤسسات الحزبية في تمثيل المواطنين وصناعة البرامج والوصول إلى المؤسسات المنتخبة.
لذلك فإن النقاش الحقيقي ربما لا ينبغي أن يكون حول ما إذا كان المواطن سيصوت لهذا الحزب أو ذاك، وإنما حول الكيفية التي يمكن بها إعادة الاعتبار للفعل السياسي نفسه. فالحزب القوي ليس فقط الحزب الذي يفوز في الانتخابات، وإنما الحزب القادر على إقناع المواطنين، وتأطيرهم، وتقديم بدائل قابلة للنقاش، وقبول المحاسبة عندما يصل إلى مواقع المسؤولية.
أما إذا استمر ضعف الأحزاب واتسعت الفجوة بينها وبين المواطنين، فإن الفراغ السياسي لن يبقى فراغا بالمعنى الحرفي، بل ستملؤه أشكال أخرى من التأثير، قد تكون مدنية أو إعلامية أو رقمية أو شخصية.
وبذلك يتحول كلام عزيز الرباح من مجرد موقف انتخابي إلى سؤال سياسي أوسع: هل المطلوب تغيير الناخب فقط، أم أن إصلاح الحياة السياسية يقتضي أيضا إعادة بناء الثقة في الأحزاب نفسها؟
السؤال مفتوح، والإجابة لن تكون مرتبطة بنتائج انتخابات واحدة، بل بقدرة الفاعلين السياسيين والمؤسسات والأحزاب والمجتمع المدني على إعادة جعل المشاركة السياسية ذات معنى بالنسبة للمواطن.




