Site icon جريدة صفرو بريس

طفل يفترش الأرض أمام المستشفى… وحزب المازوط يعد المغاربة برفع الأجور إلى 5000 درهم!

في مدينة فاس، كان هناك مشهدان متناقضان إلى درجة يصعب تصديق أنهما وقعا في المكان نفسه وفي التوقيت نفسه.

داخل القاعات المكيفة، كان مسؤولو الحزب الذي يقود الحكومة يعقدون لقاءاتهم التواصلية ويستعرضون وعودهم الجديدة، ويتحدثون عن المستقبل المشرق، وعن الأجور التي ستصل إلى 5000 درهم، وعن الإنجازات الكبرى التي لا يراها المواطن إلا على شاشات العروض الرسمية.

وخارج أسوار المؤسسات العمومية، كان طفل قادم من تازة، يعاني من إصابات خطيرة وفق ما تم تداوله، بين كسر في الجمجمة وكسر في الفك ومضاعفات عصبية، يفترش الأرض لساعات طويلة في رحلة بحث مؤلمة عن حقه في العلاج.

أي المشهدين أقرب إلى حقيقة المغرب اليوم؟

هل هو المغرب الذي تقدمه العروض السياسية والندوات الحزبية؟ أم المغرب الذي يقضي فيه مواطن ساعات أمام أبواب المستشفيات بحثاً عن سرير أو طبيب أو مجرد حق في الاستقبال؟

المشكل لم يعد في غياب الشعارات. فالحكومة الحالية ربما رفعت منسوب الخطاب أكثر من أي وقت مضى. المشكلة أن الواقع أصبح يطارد هذا الخطاب في كل زاوية. فعندما يجد المواطن نفسه عاجزاً عن الولوج إلى العلاج، ثم يسمع في اليوم نفسه خطابات عن الإنجازات الاستثنائية والوعود الجديدة، فإن الفجوة بين الكلام والواقع تصبح أكبر من أن تخفيها أي حملة تواصلية.

الوقاحة السياسية ليست في إطلاق الوعود فقط، بل في إطلاقها بينما الأزمات الحقيقية ما تزال قائمة أمام أعين الجميع.

كيف يمكن الحديث عن أرقام جديدة للأجور بينما ما يزال الحق في العلاج، وهو أبسط الحقوق الدستورية، يطرح بهذا الشكل المأساوي؟

كيف يمكن مطالبة المواطنين بتجديد الثقة وهم يشاهدون يومياً تدهور الخدمات العمومية التي قيل لهم سابقاً إنها ستكون في صلب الإصلاحات؟

إن المواطن الذي لا يجد مستشفى يستقبله، لا تعنيه كثيراً العروض الرقمية والوعود المستقبلية. والمواطن الذي يقضي يومه بين الإدارات والمستشفيات لا يقيس السياسات العمومية بما يقال فوق المنصات، بل بما يعيشه على أرض الواقع.

لقد تحولت بعض اللقاءات السياسية إلى ما يشبه محاولة مستمرة لإقناع المواطنين بعدم تصديق ما يرونه بأعينهم. يقال لهم إن الأمور تتحسن بينما الأسعار ترتفع. ويقال لهم إن الخدمات تتطور بينما تتزايد شكاوى المواطنين. ويقال لهم إن المستقبل أفضل بينما الحاضر يزداد صعوبة.

وإذا كانت قصة هذا الطفل صحيحة بكل تفاصيلها كما يتم تداولها، فإنها ليست مجرد حادث معزول، بل مرآة تعكس أزمة أعمق تتعلق بأولويات السياسات العمومية. لأن قيمة أي حكومة لا تُقاس بعدد الندوات التي تنظمها، ولا بعدد الوعود التي تطلقها، بل بقدرتها على ضمان كرامة المواطن عندما يكون في أمسّ الحاجة إليها.

أما الحديث عن رفع الأجور إلى 5000 درهم في هذا التوقيت، وبعد سنوات من تدبير الشأن العام، فإنه يطرح سؤالاً بسيطاً يردده المواطنون أكثر من أي وقت مضى: إذا كان ذلك ممكناً اليوم، فلماذا لم يكن ممكناً بالأمس؟

ذلك هو السؤال الذي لا تجيب عنه الخطب، ولا العروض المصقولة، ولا الحملات التواصلية المبكرة.

لأن المواطن قد ينسى الشعارات، لكنه لا ينسى باب مستشفى أُغلق في وجه مريض، ولا طفلاً افترش الأرض وهو ينتظر حقه في العلاج.

Exit mobile version