المغرب

ضرب المجانية يستفحل.. والحكومة تواصل اللعب في الوقت بدل الضائع لخدمة منطق الخوصصة


في الوقت الذي يعيش فيه المغرب على وقع أزمات اجتماعية متفاقمة، من بطالة وفوارق طبقية وتراجع القدرة الشرائية، يبدو أن الحكومة اختارت أن تجعل من التعليم العمومي ساحة جديدة لتجريب وصفات السوق، غير آبهة بما قد يخلفه ذلك من آثار خطيرة على مستقبل آلاف الطلبة وأسرهم. فكل المؤشرات القادمة من المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات ISCAE توحي بأننا أمام حلقة جديدة من مسلسل تفكيك المرفق العمومي وضرب مبدأ المجانية بشكل تدريجي وناعم.
السؤال الكتابي الذي وجهته النائبة البرلمانية فاطمة التامني إلى وزير الصناعة والتجارة لم يأت من فراغ، بل كشف عن معطيات مقلقة تتعلق بتوجهات تروم تغيير طبيعة المؤسسة العمومية، عبر فرض رسوم تسجيل، وتغيير أنماط التوظيف والتسيير، وربط التمويل العمومي بما سمي “إصلاحات” ذات طابع مالي وتدبيري. الأخطر من ذلك هو الحديث عن منطق: “لا إصلاح، لا ميزانية”، وكأن الدولة لم تعد تعتبر تمويل التعليم العمومي التزاما اجتماعيا ودستوريا، بل امتيازا مشروطا بالخضوع لمنطق السوق.
ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش تقني حول الحكامة أو التدبير المالي، بل هو تحول سياسي عميق يمس جوهر وظيفة الدولة الاجتماعية. فحين تبدأ المؤسسات العمومية في البحث عن التمويل عبر جيوب الطلبة، وعندما يصبح التسجيل مرتبطا بالقدرة على الدفع، فإننا نكون أمام انتقال تدريجي من جامعة عمومية مفتوحة لأبناء الشعب إلى مؤسسات شبه خاصة لا مكان فيها إلا لمن يملك القدرة المادية.
اللافت أن هذا التوجه يتكرر في أكثر من قطاع، وكأن الحكومة الحالية وجدت في نهاية ولايتها فرصة لتمرير أكبر قدر ممكن من القرارات غير الشعبية، مستفيدة من إنهاك المجتمع وتراجع الثقة السياسية. فمن الصحة إلى التعليم إلى التشغيل، يتكرر نفس المنطق: تقليص دور الدولة، وفتح المجال أمام الخواص، وتحويل الحقوق الاجتماعية إلى خدمات مؤدى عنها.
لكن المفارقة الكبرى أن خطاب “الإصلاح” يُستعمل دائما لتبرير التراجع. فكلما تعلق الأمر بتقليص النفقات الاجتماعية قيل إن الدولة تقوم بالإصلاح، وكلما تعلق الأمر بإعفاءات ضريبية أو امتيازات للرأسمال الكبير يصبح الأمر “تشجيعا للاستثمار”. أما المواطن البسيط، فيُطلب منه دائما التضحية والصبر وتحمل “الإكراهات”.
إن المساس بمجانية التعليم ليس مجرد قرار إداري عابر، بل هو ضرب لفكرة تكافؤ الفرص نفسها. لأن أبناء الفئات الشعبية والمتوسطة هم أول من سيدفع الثمن، بينما ستتحول المؤسسات العليا تدريجيا إلى فضاءات مغلقة تعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية بدل محاربتها.
ما يقع داخل ISCAE اليوم يجب أن يُقرأ كجرس إنذار حقيقي، لأن خوصصة التعليم لا تأتي دفعة واحدة، بل تبدأ بخطوات صغيرة: رسوم تسجيل، عقود هشة، تقليص التمويل العمومي، ثم تحويل المؤسسة إلى مقاولة تبحث عن الربح أكثر مما تبحث عن تكوين الكفاءات.
وفي ظل هذا المسار، يصبح السؤال الحقيقي: هل ما تزال الدولة تعتبر التعليم حقا اجتماعيا ومرفقا عموميا، أم أنها حسمت أمرها لصالح منطق السوق والرأسمال؟ لأن الأكيد أن الشعارات حول “الدولة الاجتماعية” تفقد معناها عندما يتحول حق أبناء الشعب في التعليم إلى سلعة تخضع لمن يملك القدرة على الأداء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى