في مدينة مثل فاس، حيث يشتكي المواطن يومياً من ضعف الخدمات، وتدهور البنية التحتية، واهتراء عدد من المرافق العمومية، تصبح كل درهم من المال العام مسألة حيوية لا تحتمل العبث. لكن حين يخرج مستشار جماعي ليتحدث عن “عائدات صفر درهم” لسوق يتم فيه استخلاص الرسوم من التجار بشكل يومي، فإن الأمر يتجاوز مجرد اختلال إداري بسيط، ويتحول إلى سؤال سياسي وأخلاقي خطير: أين ذهبت أموال المغاربة؟
الحديث عن سوق التمر ليس تفصيلاً هامشياً. فهذه الأسواق تعرف حركة تجارية مهمة، خاصة في المواسم الدينية والفترات التي يرتفع فيها الإقبال على المواد الغذائية. التجار يؤدون الرسوم، والمواطن يدفع الثمن داخل السوق، لكن حين تصل الأمور إلى مرحلة تسجيل “صفر درهم” كعائدات رسمية، فذلك يعني أن هناك خللاً عميقاً داخل منظومة التدبير والمراقبة.
الفضيحة لا تكمن فقط في اختفاء المداخيل، بل في كون هذا النموذج يتكرر بأشكال مختلفة داخل عدد من الجماعات والأسواق والمرافق العمومية. المواطن المغربي أصبح يسمع يومياً عن أسواق بلا مداخيل، ومشاريع بلا أثر، وصفقات بلا نتائج، وكأن المال العام في بعض المؤسسات يتحول إلى غنيمة سائبة أكثر منه أمانة مرتبطة بخدمة الناس.
في فاس، المدينة التي تحمل تاريخاً عريقاً وثقلاً حضارياً كبيراً، يشعر كثير من السكان بأن التدبير المحلي يعيش مفارقة غريبة: الضرائب والرسوم ترتفع، لكن أثرها على الواقع يكاد يكون غائباً. الأزقة المتدهورة، مشاكل النظافة، فوضى النقل، وضعف الإنارة في بعض الأحياء… كلها تجعل المواطن يتساءل: إذا كانت الأموال تُجمع فعلاً، فلماذا لا تظهر نتائجها على الأرض؟
وحين تظهر قضية مثل “عائدات سوق التمر صفر درهم”، فإنها تعزز الإحساس الشعبي بأن جزءاً من الأزمة ليس نقص الموارد، بل طريقة تدبيرها ومراقبتها. فالمشكل في كثير من الأحيان لا يتعلق فقط بالفساد المباشر، بل أيضاً بثقافة الإفلات من المحاسبة، حيث تمر الاختلالات دون ربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة.
السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم بسيط وواضح: من المسؤول؟
هل هو الموظف الصغير؟
أم المنتخب؟
أم شبكة مصالح كاملة تستفيد من الفوضى والرقابة الضعيفة؟
لأن اختفاء مداخيل سوق ليس حادثاً تقنياً عادياً يمكن تبريره بخطأ في الوثائق أو تأخر إداري. نحن أمام أموال عمومية يفترض أنها تدخل إلى ميزانية الجماعة لتُصرف على خدمات المواطنين. وإذا كانت الرسوم تُؤخذ من التجار فعلاً، ثم لا تظهر في الحسابات، فذلك يعني أن هناك حلقة مفقودة يجب كشفها للرأي العام.
المغاربة اليوم لم يعودوا يطالبون فقط بفتح التحقيقات، بل بنتائج ملموسة. الناس سئمت من لغة “سنفتح تحقيقاً” التي غالباً ما تنتهي إلى الصمت والنسيان. ما يريده المواطن هو معرفة من أخذ المال، وكيف اختفى، ومن سمح بذلك، وهل ستكون هناك محاسبة حقيقية أم مجرد ضجيج إعلامي عابر.
لأن أخطر ما في هذه القضايا ليس فقط ضياع الأموال، بل تحوّل الفساد الصغير إلى شيء عادي ومتكرر داخل الحياة اليومية. حين يصبح اختفاء المال العمومي خبراً مألوفاً، فذلك يعني أن المجتمع بدأ يفقد حس الصدمة تجاه الفساد، وهذه مرحلة أخطر من الفساد نفسه.
قضية سوق التمر في فاس قد تبدو للبعض مجرد ملف محلي صغير، لكنها في الحقيقة صورة مصغرة عن سؤال أكبر يطرحه المغاربة منذ سنوات:
من يحمي المال العام؟
ومن يوقف نزيف “الدرهم الضائع” الذي يدفع ثمنه المواطن البسيط من جيبه وخدماته وكرامته اليومية؟
صفر درهم في الصندوق.. فمن ابتلع عائدات سوق التمر بفاس؟

