مع اقتراب كل انتخابات، تحدث في المغرب معجزات لا تفسرها الفيزياء ولا الطب ولا حتى علماء الاجتماع. إنها معجزات السياسة، حيث يتحول الصمت إلى خطب، والغياب إلى حضور، والوجوه المتجهمة إلى ابتسامات عريضة، ويصبح الإيقاع الانتخابي أهم من إيقاع الإصلاح.
كان يقال إن السياسة فن الممكن، لكن يبدو أنها أصبحت فن “الشطيح والرديح”.
في وقت مضى، قيل للمغاربة إن السيدة فاطمة المنصوري تعاني وضعًا صحيًا يجعل الوقوف أمرًا صعبًا، حتى إنها تصلي جالسة. تعاطف الناس، واحترموا الأمر، لأن المرض لا يستأذن أحدًا.
لكن ما إن بدأت رائحة الانتخابات تفوح حتى ظهرت معجزة مراكشية جديدة. الدقة المراكشية فعلت ما لم تستطع الأدوية فعله، فعادت الحيوية، وتحركت الخطوات، واهتزت القلال، وكأن الإيقاع الشعبي اكتشف علاجًا سريًا لم تسجل براءة اختراعه بعد.
أما عبد الإله بنكيران، فقد دخل مرحلة فنية جديدة. الرجل الذي شغل المغاربة سنوات بحكايات “التماسيح والعفاريت” قرر أن يغير أسلوب المواجهة. ربما اكتشف أن تلك الكائنات لا تخاف من الخطب، بل من الطارة.
ضرب الدف بحماس، وانسجم مع الإيقاع، حتى خُيل للبعض أنه يستعد لإطلاق أول ألبوم بعنوان: “الدف في مواجهة العفاريت… الجزء الأول”.
ولعل “قربشلا” التي استعملها في وقت سابق لم تكن سوى بروفة، أما اليوم فقد دخل مرحلة الاحتراف، ولم يبق إلا أن يعلن عن جولة فنية وطنية بعنوان: “من الراشيدية إلى صناديق الاقتراع… إيقاعات ضد التماسيح.”
أما عزيز أخنوش، فقد بدا وكأنه يقول للجميع: لماذا نتوقف عند القلال والطارة؟ العالم تطور، والسياسة أيضًا.
هنا لا مكان للإيقاعات التقليدية فقط؛ هناك أضواء، وشاشات، ودي جي، ومؤثرات صوتية، وكأنك حضرت إلى مهرجان صيفي لا إلى لقاء سياسي. لم يعد ينقص سوى بيع الفشار عند المدخل، وتوزيع أساور مضيئة على الجمهور، ليكتمل المشهد.
ولو أضاف فقرة بعنوان “عشرة بردين” في نهاية كل حفل، لكان ذلك خدمة عمومية، حتى يبرد قلب المواطن قليلًا بعد أن أحرقته الأسعار.
المثير أن الأحزاب، رغم اختلاف مرجعياتها، اتفقت دون إعلان رسمي على شيء واحد: إذا تعذر إقناع المواطن بالحصيلة، فليُقنع بالإيقاع.
فهذا يضرب القلال، وذاك يضرب الطارة، والثالث يرفع صوت الموسيقى، بينما المواطن يضرب كفًا بكف أمام فواتير الماء والكهرباء، وأسعار المواد الغذائية، وأبواب التشغيل المغلقة.
كان المواطن ينتظر من يسأله: كيف سنخلق فرص الشغل؟ كيف سنصلح التعليم؟ كيف سنحمي القدرة الشرائية؟ فإذا به يجد نفسه أمام منافسة فنية لا سياسية.
ويبدو أن البرامج الانتخابية المقبلة قد تتغير هي الأخرى:
بدل: خلق مليون منصب شغل… يصبح الوعد: تنظيم مليون سهرة تنشيطية.
وبدل: إصلاح المنظومة الصحية… يصبح: رفع عدد مكبرات الصوت في المهرجانات.
وبدل: محاربة الفقر والهشاشة… يصبح: الرقص الجماعي يخفف الإحساس بهما.
لا أحد يعترض على الفن، ولا على الفرح، ولا على التراث الشعبي، لكن حين يتحول الإيقاع إلى لغة سياسية، يصبح من حق المواطن أن يتساءل: هل الأحزاب تتنافس على قيادة الحكومة… أم على جائزة أفضل فرقة تنشيط في الموسم؟
وفي النهاية، قد لا يتذكر المواطن كل الشعارات، لكنه سيتذكر أن موسم الانتخابات هذه السنة كان مليئًا بالطبول والدفوف والقلال… أما البرامج، فيبدو أنها كانت تعزف في مكان آخر.

