Site icon جريدة صفرو بريس

شمال إفريقيا أمام أزمة بطالة تتجاوز حدود سوق الشغل

تكشف أحدث مؤشرات منظمة العمل الدولية أن مشكلة البطالة في شمال إفريقيا لم تعد مجرد نتيجة لظروف اقتصادية عابرة، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بقدرة اقتصادات المنطقة على خلق فرص عمل تستوعب جيلاً شاباً يتزايد بوتيرة سريعة.

وتشير معطيات المنظمة إلى أن معدل بطالة الشباب في شمال إفريقيا بلغ 22.6 في المائة سنة 2025، بينما وصلت نسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تكويناً إلى حوالي 30 في المائة. وهذه الأرقام تضع المنطقة في واحدة من أكثر الوضعيات صعوبة عالمياً في مجال إدماج الشباب.

المشكلة لا تكمن فقط في غياب الوظيفة، وإنما في ضعف الانتقال من التعليم إلى العمل. فارتفاع عدد الحاصلين على الشهادات لا يوازيه بالضرورة توسع مماثل في الوظائف التي تحتاج إلى هذه الكفاءات، وهو ما يخلق فجوة بين مخرجات التعليم وحاجيات الاقتصاد.

وتزداد الأزمة تعقيداً بسبب ضعف جودة جزء من فرص العمل المتاحة، وانتشار العمل غير المنظم، إضافة إلى محدودية الوظائف المستقرة والقادرة على توفير دخل وحماية اجتماعية. لذلك فإن انخفاض البطالة في بعض الحالات لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع الشباب، إذا كان البديل هو العمل الهش أو المؤقت.

وتبقى الفجوة بين الجنسين واحدة من أبرز مظاهر الأزمة. فالشابات يواجهن عوائق أكبر للوصول إلى سوق العمل، بينما تظل مشاركتهن الاقتصادية في شمال إفريقيا منخفضة مقارنة بالرجال. وهو ما يعني أن المنطقة لا تخسر فقط فرصاً لفائدة الشباب، بل تخسر أيضاً جزءاً مهماً من إمكاناتها الاقتصادية بسبب ضعف إدماج النساء.

وتأتي هذه الأزمة في وقت يتغير فيه سوق العمل بسرعة بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وتؤكد منظمة العمل الدولية أن التحول التكنولوجي لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الوظائف بشكل جماعي، لكنه سيغير المهارات المطلوبة وطبيعة العديد من المهن.

وهنا يصبح التحدي الحقيقي أمام دول شمال إفريقيا هو الانتقال من سياسات التعامل مع البطالة بعد وقوعها إلى سياسات تمنع إنتاجها من الأساس، عبر ربط التعليم والتكوين بحاجيات الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات القادرة على خلق وظائف مستقرة، وتحسين خدمات التوجيه والوساطة في سوق الشغل.

فالرقم 22.6 في المائة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد نسبة إحصائية، وإنما باعتباره مؤشراً على اختلال أعمق: اقتصاد لا يخلق ما يكفي من الفرص أمام جيله الجديد.

وفي هذا السياق، فإن مستقبل شمال إفريقيا لن يتحدد فقط بقدرتها على خفض معدلات البطالة، وإنما بقدرتها على تحويل شبابها من قوة بشرية تنتظر فرصة إلى قوة اقتصادية تساهم فعلياً في الإنتاج والتنمية.

وتنسجم هذه الخلاصة مع تحذيرات منظمة العمل الدولية من استمرار صعوبات إدماج الشباب في المنطقة، ومن كون ضعف خلق الوظائف، وعدم ملاءمة المهارات، وانتشار العمل غير المنظم، من أبرز العوائق أمام انتقال الشباب إلى وظائف مستقرة ولائقة.

Exit mobile version