خرجت أمينة ماء العينين بتصريح أثار الكثير من الجدل، عندما تحدثت من برشيد عن أرقام خيالية قيل إنها أصبحت مرتبطة بالحصول على التزكيات الانتخابية، حتى وصل الحديث إلى 500 مليون سنتيم.
خمسمائة مليون سنتيم!
عندما يسمع المواطن البسيط هذا الرقم، يبدأ تلقائياً في مراجعة حساباته: هل نتحدث عن تزكية انتخابية أم عن شراء فيلا مطلة على البحر؟ هل الأمر يتعلق بترشيح سياسي أم بصفقة انتقال لاعب دولي في آخر ساعات الميركاتو؟
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا افترضنا أن شخصاً ما صرف نصف مليار سنتيم للوصول إلى التزكية، فهل سينطلق بعد ذلك في خدمة الصالح العام بكل تجرد ونكران ذات؟ أم سيجلس أمام آلة حاسبة ضخمة ويبدأ في البحث عن طريقة لاسترجاع “رأس المال” مع بعض الأرباح والفوائد السياسية؟
في عالم الأعمال يسمونه استثماراً.
وفي عالم السياسة يسمونه… حب الوطن طبعاً!
المثير أن بعض الأحزاب تتحدث عن النزاهة والشفافية والديمقراطية الداخلية، بينما الأرقام المتداولة تجعل المواطن يعتقد أنه يتابع مزاداً علنياً أكثر مما يتابع مساراً ديمقراطياً.
تخيلوا فقط أحدهم وهو يخرج من مقر الحزب بعد دفع المبلغ الخرافي، ثم يرفع يده نحو السماء قائلاً: “اللهم إني لا أريد من هذا المنصب شيئاً سوى خدمة المواطنين.”
حتى المواطن نفسه قد يرد عليه: “آمين… ولكن دعنا أولاً نرى فاتورة الخدمة.”
المغاربة لديهم مثل شعبي بليغ يقول: “فلوس اللبن كيديهم زعطوط”.
أما في بعض المواسم الانتخابية فيبدو أن القاعدة أصبحت: “فلوس التزكية كيرجعوها المواطنين بالتقسيط المريح.”
وطبعاً، أول ما سيقوله المدافعون عن هذه الممارسات إن المرشح ينفق من ماله الخاص. لكن المشكلة أن المواطن لم يعد يقتنع بهذه الرواية بسهولة. فكلما سمع عن أموال طائلة تصرف قبل الانتخابات، يتساءل: من أين سيأتي التعويض بعد الفوز؟
من الراتب؟
من التعويضات؟
أم من ذلك الكائن الأسطوري الذي يظهر دائماً بعد الانتخابات ويختفي قبلها، واسمه “المصلحة العامة”؟
في النهاية، إذا كانت التزكية فعلاً تحتاج إلى ميزانية تعادل مشروعاً استثمارياً صغيراً، فلا ينبغي أن نستغرب إذا أصبح بعض المنتخبين يتعاملون مع المقعد الانتخابي كأصل تجاري، ومع الناخبين كزبناء، ومع الوعود كإعلانات موسمية.
أما المواطن، فسيظل يتابع هذا المشهد السياسي العجيب وهو يتساءل: هل نحن أمام انتخابات لاختيار ممثلين للشعب، أم أمام نسخة جديدة من برنامج “من يربح المزاد الأكبر؟”
وفي انتظار الجواب، يبقى السؤال معلقاً: إذا كان الوصول إلى المنصب يكلف كل هذه الملايين، فمن سيقنع المغاربة أن الهدف الوحيد بعد ذلك هو خدمة الوطن والمواطنين؟

