في الوقت الذي كانت فيه واشنطن وتل أبيب تراهنان على إنهاك القدرات العسكرية الإيرانية عبر الضربات المتواصلة، تكشف التقييمات الاستخباراتية الأمريكية عن مشهد مغاير تماماً: إيران لم تنكسر، بل أعادت ترتيب جزء كبير من بنيتها الصاروخية، واستعادت مواقع إطلاق استراتيجية على امتداد مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات حساسية في العالم.
المعطيات الجديدة تشير إلى أن طهران تمكنت من إعادة تشغيل 30 موقعاً صاروخياً من أصل 33، إضافة إلى الحفاظ على جزء مهم من منصات الإطلاق المتنقلة ومنشآت التخزين تحت الأرض، وهو ما يعني أن الضربات العسكرية، رغم قوتها، لم تنجح في شل القدرات الإيرانية كما كان متوقعاً.
هذا التطور لا يحمل فقط بعداً عسكرياً، بل يبعث برسالة سياسية واضحة: إيران ما تزال قادرة على إعادة بناء أدوات الردع بسرعة، حتى في ظل حرب مفتوحة وضغط دولي متواصل.
ويبدو أن الاستراتيجية الإيرانية اعتمدت على عنصرين أساسيين؛ أولهما الطبيعة اللامركزية للبنية الصاروخية، حيث تم توزيع القدرات والمنشآت على نطاق جغرافي واسع، وثانيهما الاستثمار الطويل في المنشآت المحصنة تحت الأرض، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى العمود الفقري للبرنامج الصاروخي الإيراني.
في المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة معقدة. فكلما تصاعدت العمليات العسكرية، ازدادت الحاجة إلى منع إيران من استعادة قدراتها، لكن الواقع الميداني يكشف أن طهران ما تزال تمتلك هامشاً كبيراً للمناورة، سواء عبر مخزونها الصاروخي أو عبر شبكاتها الدفاعية والبنى السرية التي يصعب تدميرها بالكامل.
كما أن استعادة الجاهزية قرب مضيق هرمز تحمل دلالة استراتيجية خطيرة، لأن المنطقة تمثل شرياناً حيوياً لتجارة النفط العالمية، وأي تصعيد عسكري هناك قد يدفع الأسواق الدولية نحو اضطرابات كبيرة في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
وفي خضم هذا التصعيد، يعود الملف النووي الإيراني إلى الواجهة من جديد. فواشنطن تؤكد أن منع طهران من امتلاك السلاح النووي يمثل “خطاً أحمر”، بينما تواصل إيران التأكيد على أن برنامجها ذو طبيعة سلمية، في وقت تبدو فيه المفاوضات السياسية شبه مجمدة أمام منطق القوة والتصعيد العسكري.
لكن الأهم في كل هذا، أن الحرب لم تعد فقط مواجهة صواريخ وطائرات، بل أصبحت أيضاً معركة “استنزاف إرادات”. الولايات المتحدة وإسرائيل تحاولان فرض معادلة الردع بالقوة العسكرية، بينما تراهن إيران على قدرتها على الصمود وإعادة الترميم السريع، وإثبات أن الضربات مهما بلغت لن تكون كافية لإخراجها من المعادلة الإقليمية.
ومع استمرار هذا المشهد المتوتر، تبدو المنطقة أمام مرحلة أكثر هشاشة، حيث يمكن لأي خطأ عسكري أو حساب سياسي خاطئ أن يدفع الخليج بأكمله نحو مواجهة أوسع تتجاوز حدود إيران وإسرائيل، لتطال الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي.
رغم الحرب والضربات.. إيران تعيد بناء “قبضتها الصاروخية” في قلب الخليج

