Site icon جريدة صفرو بريس

رسالة الثبات: المغرب يواجه الاستهداف لكن الرد بوحدة الداخل وعمق الانتماء الإفريقي


لم يكن بلاغ الديوان الملكي الأخير مجرد تفاعل بروتوكولي مع سياق رياضي أو ظرفي، بل حمل في طياته رسالة سياسية ودبلوماسية بالغة الوضوح، موجهة إلى الخصوم قبل الأصدقاء، مفادها أن المغرب يدرك طبيعة الاستهداف الذي يتعرض له، ويملك في الآن ذاته من الوعي والثقة ما يجعله محصنًا ضد محاولات التشويش وبث الفرقة.
حين يؤكد الملك محمد السادس، بشكل صريح، أن “المخططات المعادية لن تبلغ أبدا مرادها”، فإن الأمر يتجاوز صيغة الاطمئنان المعنوي إلى إعلان موقف سيادي ثابت، ينبع من قراءة دقيقة للتحولات الإقليمية والقارية، ومن فهم عميق لمنطق الصراع داخل إفريقيا وحولها. إنها رسالة تقول إن المغرب لا يتعامل مع الأحداث بردود فعل انفعالية، بل برؤية استراتيجية تعرف من أين تأتي الضغوط، ولماذا تأتي، وكيف يتم احتواؤها دون الانزلاق إلى منطق العداء المفتوح.
ويزداد هذا الموقف قوة حين يقترن بتأكيد جلالة الملك على أن الشعب المغربي “لن يقبل بالانسياق وراء الضغينة والتفرقة مع شعوبنا الإفريقية”. هنا، لا يخاطب الخطاب فقط الداخل الوطني، بل يوجه رسالة مباشرة إلى الخارج، مفادها أن الرهان على اللعب على أوتار الفتنة، أو محاولة توظيف لحظات التوتر لإحداث شرخ بين المغرب وعمقه الإفريقي، هو رهان خاسر سلفًا.
فالرهان الإفريقي للمغرب لم يكن يومًا تكتيكًا عابرًا، بل خيارًا استراتيجيًا متجذرًا في التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة. ومنذ سنوات، اختار المغرب العودة القوية إلى محيطه القاري، ليس بمنطق الهيمنة أو الوصاية، بل بمنطق الشراكة، والتعاون جنوب–جنوب، وتقاسم الخبرات، وبناء الثقة. لذلك، فإن أي محاولة للمساس بهذا المسار تصطدم بواقع شبكة علاقات سياسية واقتصادية وإنسانية راكمها المغرب بصبر وهدوء.
كما أن البلاغ الملكي يحمل بعدًا داخليًا لا يقل أهمية، إذ يوجه رسالة طمأنة للمغاربة بأن الدولة واعية بحجم الاستهداف، لكنها في الوقت نفسه واثقة من مناعة الجبهة الداخلية. فالتماسك الوطني، والوعي الشعبي، والقدرة على التمييز بين المنافسة المشروعة ومحاولات التحريض، كلها عناصر تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة أي مخطط عدائي.
وإذا كانت بعض الأطراف تراهن على تحويل لحظات التوتر إلى أزمات دائمة، فإن الخطاب الملكي يضع الأمور في نصابها الطبيعي: الانفعال عابر، أما الروابط التاريخية بين الشعوب الإفريقية فباقية. وهي روابط لا يمكن نسفها بحادث معزول، ولا بتأويل مغرض، لأنها نتاج قرون من التفاعل والتبادل والتضامن.
إن بلاغ الديوان الملكي، في هذا السياق، يؤسس لخطاب هادئ لكنه حازم، يرفض الانجرار إلى منطق الاستقطاب، ويؤكد في الآن ذاته أن المغرب لن يتسامح مع محاولات النيل من وحدته، أو التشويش على اختياراته الاستراتيجية. إنها معادلة دقيقة تجمع بين الصرامة في حماية السيادة، والانفتاح في الحفاظ على جسور الأخوة الإفريقية.
وبهذا المعنى، فإن الرسالة الملكية موجهة بوضوح إلى الخصوم والأعداء: المغرب ليس دولة ردود أفعال، ولا ساحة مفتوحة للتجريب، بل دولة تعرف موقعها، وتثق في شعبها، وتدرك أن قوتها الحقيقية لا تكمن فقط في إمكانياتها، بل في قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، والاستهداف إلى مزيد من التماسك والحضور القاري والدولي.

Exit mobile version