لم تعد الجريمة ترتدي القناع التقليدي الذي عرفه الناس لعقود، بل أصبحت اليوم تختبئ خلف شاشة هاتف، أو رسالة إلكترونية مزيفة، أو رابط يبدو عاديا لكنه يقود إلى سرقة حسابات ومدخرات وأحيانا هويات كاملة. وفي هذا السياق، أعلنت الشرطة الدولية “الإنتربول” عن نتائج واحدة من أكبر العمليات الأمنية الموجهة ضد شبكات الاحتيال والجرائم السيبرانية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تحت اسم “رامز”.
العملية، التي امتدت بين أكتوبر 2025 وفبراير 2026، لم تكن مجرد حملة أمنية عابرة، بل تحركا دوليا منسقا شاركت فيه 13 دولة، بهدف ملاحقة البنية الرقمية لعصابات الاحتيال الإلكتروني التي حولت الفضاء الافتراضي إلى سوق مفتوحة للنصب والابتزاز وسرقة المعطيات البنكية.
ووفق المعطيات التي كشفت عنها المنظمة الدولية، فقد تم تحديد هوية ما يقارب 4 آلاف ضحية، في مؤشر خطير على الحجم الحقيقي للجرائم الإلكترونية التي تتوسع بصمت داخل المنطقة. كما أسفرت العملية عن توقيف 201 مشتبه فيه، مع تحديد هويات مئات آخرين يشتبه في ارتباطهم بشبكات منظمة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة في تنفيذ عملياتها العابرة للحدود.
اللافت في العملية ليس فقط عدد الموقوفين أو الضحايا، بل طبيعة التحول الذي تعرفه الجريمة نفسها. فالعصابات الإلكترونية لم تعد تعتمد على أفراد معزولين يشتغلون بشكل بدائي، بل أصبحت تشتغل بمنطق الشركات المنظمة، مستعملة خوادم إلكترونية معقدة، وهويات وهمية، وتقنيات متطورة لإخفاء مصادر الهجمات والاحتيال.
وفي الوقت الذي تتطور فيه أدوات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية بسرعة كبيرة، تجد المؤسسات الأمنية نفسها أمام سباق مفتوح مع مجرمين يستغلون كل ثغرة تقنية لتحقيق أرباح ضخمة بأقل المخاطر الممكنة. فعملية “رامز” أظهرت أن الجريمة الإلكترونية لم تعد قضية تقنية فقط، بل تحولت إلى تهديد اقتصادي واجتماعي وأمني حقيقي.
وتطرح هذه التطورات أسئلة عميقة حول مدى جاهزية المجتمعات والمؤسسات لمواجهة هذا النوع من الجرائم، خاصة في ظل ضعف الثقافة الرقمية لدى عدد كبير من المواطنين، الذين يتحولون بسهولة إلى أهداف لرسائل الاحتيال وروابط القرصنة والعروض الوهمية.
كما تؤكد العملية أن الأمن السيبراني لم يعد ترفا تقنيا أو ملفا نخبويا، بل أصبح جزءا أساسيا من الأمن القومي للدول، تماما مثل حماية الحدود أو مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ومع تزايد الاعتماد على الخدمات الرقمية والمعاملات الإلكترونية، يبدو أن المعركة المقبلة لن تكون فقط في الشوارع أو الحدود، بل أيضا داخل الهواتف والحواسيب والخوادم الإلكترونية، حيث تدور حرب صامتة بين أجهزة الأمن وشبكات رقمية عابرة للقارات لا تعترف بالجغرافيا ولا بالقوانين التقليدية.
رامز” تكشف الوجه الخفي للجريمة الرقمية.. الإنتربول تضرب شبكات الاحتيال الإلكتروني في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

