يشكل تأسيس دار الصحافة والنشر بجهة فاس مكناس خطوة مهمة نحو دعم المشهد الإعلامي الجهوي، وفتح المجال أمام الصحافيين والمهنيين ووسائل الإعلام للعمل داخل فضاء يوفر شروطا أفضل للتواصل والتكوين وتبادل الخبرات.
وتكتسي هذه المبادرة أهميتها من كون الإعلام الجهوي لم يعد مجرد ناقل للأخبار المحلية، بل أصبح أحد المكونات الأساسية في الحياة العامة، بالنظر إلى قدرته على مواكبة قضايا المواطنين، ونقل انشغالاتهم، والتعريف بالمشاريع والتحولات التي تعرفها مختلف أقاليم الجهة.
وتحتاج الصحافة الجهوية، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها قطاع الإعلام، إلى فضاءات مهنية قادرة على احتضان الصحافيين، وتشجيع النقاش حول مستقبل المهنة، وتوفير فرص التكوين والتأهيل، خصوصا في مجالات الصحافة الرقمية، والتحقق من الأخبار، واستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي.
ومن هذا المنطلق، يمكن لدار الصحافة والنشر أن تتحول إلى منصة حقيقية للحوار بين الصحافيين والمؤسسات المنتخبة والإدارات والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني، بما يعزز التواصل حول القضايا التي تهم المواطنين، ويقرب المعلومة من الرأي العام.
كما أن وجود فضاء مهني منظم من شأنه أن يساهم في تقوية الصحافة المحلية والمهنية، ويشجع على إنتاج محتوى إعلامي أكثر ارتباطا بواقع الجهة، بدل أن تظل التغطية الإعلامية متركزة على الأحداث الوطنية الكبرى على حساب القضايا اليومية للمواطنين في المدن والمناطق القروية.
ولا تقتصر أهمية المبادرة على توفير فضاء للصحافيين، بل تمتد إلى دعم أخلاقيات المهنة وترسيخ ثقافة المسؤولية في ممارسة العمل الصحفي، خاصة في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي مصدرا رئيسيا للأخبار، وما يرافق ذلك من انتشار الأخبار غير الموثوقة والمعلومات المضللة.
وفي هذا السياق، يمكن لدار الصحافة والنشر أن تؤدي دورا مهما في تنظيم ندوات وورشات تكوينية ولقاءات مهنية حول أخلاقيات الصحافة، وحرية التعبير، والحق في الحصول على المعلومة، والصحافة الرقمية، وآليات التحقق من الأخبار، بما يساعد على بناء إعلام جهوي أكثر مهنية وقدرة على مواكبة التحولات.
كما يمكن أن تشكل الدار فضاء لاكتشاف الطاقات الصحفية الشابة، وتشجيع الطلبة والمهتمين بالإعلام على تطوير مهاراتهم، وربطهم بالمهنيين والتجارب القائمة، بما يساهم في تجديد النخب الصحفية وإعطاء دفعة جديدة للمشهد الإعلامي بالجهة.
وتبقى قيمة هذه المبادرة في النهاية مرتبطة بمدى قدرتها على التحول من مجرد فضاء مادي إلى مؤسسة حقيقية تخدم الصحافة والصحافيين، وتدعم استقلالية المهنة، وتشجع على المهنية والتعددية، وتساهم في جعل الإعلام شريكا في التنمية المحلية، وليس مجرد ناقل للأحداث.
فجهة فاس مكناس، بما تتوفر عليه من ثقل تاريخي وثقافي واقتصادي وجامعي، تحتاج إلى إعلام جهوي قوي وقادر على مواكبة قضاياها، وطرح الأسئلة التي تهم سكانها، وإبراز إمكاناتها، ومساءلة المؤسسات عندما يتعلق الأمر بالشأن العام.
ومن هنا، فإن تأسيس دار الصحافة والنشر يمكن أن يشكل بداية لمسار جديد، عنوانه تنظيم العمل الإعلامي الجهوي، وتقوية حضور الصحافة في المجتمع، وإعادة الاعتبار لدورها كسلطة رقابية ومجال للنقاش العمومي، بما يخدم المواطن والمصلحة العامة.

