في أعالي جبال داغستان الروسية، حيث التضاريس الوعرة والمسالك الجبلية التي لا تخلو من المخاطر، تكتب معلمة تدعى خديجة واحدة من الحكايات الإنسانية المؤثرة التي تعيد إلى الواجهة المعنى الحقيقي لرسالة التعليم، بعيدا عن الحسابات المادية والأرقام.
خديجة شيخ مغوميدوفنا، البالغة من العمر 45 سنة، تعمل مديرة ومعلمة وحيدة بمدرسة ابتدائية في قرية خونوك، بمنطقة شامل في جمهورية داغستان التابعة للاتحاد الروسي، حيث لا يتجاوز عدد تلاميذها ثلاثة أطفال، لكنها لم تعتبر قلة العدد سببا للتخلي عن مهمتها التربوية.
ومنذ تسع سنوات، تواصل خديجة رحلتها اليومية عبر المسالك الجبلية، قاطعة مسافة تصل إلى 14 كيلومترا ذهابا وإيابا، في منطقة تقع على ارتفاع يقارب 1800 متر عن سطح البحر، حيث تتحول الطريق إلى اختبار حقيقي للصبر والتحمل، خصوصا في ظل الظروف الطبيعية القاسية واحتمال مواجهة الحيوانات البرية.
وتزداد القصة تأثيرا عندما نعلم أنها سبق أن صادفت ذئبا خلال إحدى رحلاتها، ومع ذلك لم تتراجع عن مواصلة طريقها نحو المدرسة، حيث ينتظرها ثلاثة أطفال من أجل تلقي دروسهم ومتابعة مسارهم الدراسي.
قد يرى البعض أن الأمر يتعلق بثلاثة تلاميذ فقط، لكن خديجة تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة؛ فهؤلاء الأطفال لهم الحق نفسه في التعلم، ولا ينبغي أن تتحول عزلة قريتهم أو صعوبة الوصول إليها إلى حكم بحرمانهم من المدرسة.
إنها حكاية تتجاوز حدود التضحية المهنية، لتطرح سؤال العدالة التعليمية في المناطق النائية، حيث لا تزال الجغرافيا في كثير من الأحيان تحدد فرص الأطفال في الوصول إلى المعرفة، وحيث يتحمل المدرسون أعباء استثنائية حتى لا ينقطع هؤلاء الصغار عن مقاعد الدراسة.
لكن الإشادة بخديجة لا ينبغي أن تحجب مسؤولية المؤسسات في توفير شروط العمل اللائق والآمن للمدرسين، وضمان حق الأطفال في تعليم لا يتوقف على شجاعة فرد أو قدرته على مواجهة مخاطر الطبيعة.
14 كيلومترا من أجل ثلاثة تلاميذ.. ربما لا يبدو الرقم كبيرا في حسابات البعض، لكنه في ميزان الرسالة التربوية حكاية تختصر معنى الإخلاص والمسؤولية.
فحين يكون الضمير المهني حاضرا، لا تصبح قلة التلاميذ مبررا للتخلي عن المدرسة، ولا تتحول وعورة الطريق إلى نهاية لحلم طفل في التعلم.
خديجة لا تعلم الأطفال القراءة والكتابة فقط، بل تقدم لهم، من خلال سلوكها اليومي، درسا آخر لا يوجد في الكتب: أن قيمة الرسالة لا تقاس بعدد المستفيدين منها، وإنما بمدى الوفاء لها.

